في كل يوم يمر على هذه الحرب العبثية التي تشنها أمريكا وإسرائيل على إيران، والتي دخلت أسبوعها الخامس تتكشف تداعياتها المروعة على دول المنطقة والعالم، وتتضح مخاطرها المفزعة على الشعوب، وسط توقعات بأن استمرارها لأسابيع أخرى ستكون نتائجها كارثية، وخسائرها لا يمكن التنبؤ بحجمها أو توقع تداعياتها، التي ستضرب اقتصادات الدول، وفي القلب منها دول المنطقة.
فلم تعد تداعيات إغلاق مضيق هرمز مقصورة على رفع أسعار الطاقة، وإن كان هذا الأمر له مخاطر ضخمة على اقتصادات العالم، بل بات يهدد قطاع الغذاء؛ من خلال توقف إمدادات الأسمدة التي تشكل الركيزة الأساسية لقطاع الزراعة، وهو ما ينذر بأزمة غذائية كبرى نتيجة تضرر إمدادات القمح والذرة، وغيرها من زراعات غذائية أخرى أصبحت مهددة؛ بسبب نقص الأسمدة، إذ تشير الأرقام إلى أن ما بين 40 و50% من تجارة الأسمدة الآزوتية عالميًا تمر عبر مضيق هرمز قد توقفت بسبب الإغلاق، كما أن أسعار الأسمدة، إن توافرت، قفزت بنسب وصلت إلى 80%، ما يرفع تكلفة زراعات غذائية؛ مثل القمح والذرة والأرز وغيرها التي تعتمد كليًا على هذه الأسمدة، وإذا ما أضيفت الأعباء المترتبة على زيادة أسعار الطاقة، فإن الأمر يعد كارثة بكل المقاييس سيتكبدها المستهلكون؛ بفعل التضخم الكبير المتوقع.
ولعل ذلك ما دفع بنك جولدمان ساكس إلى التحذير من موجة غلاء كبيرة تجتاح العالم؛ بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، بل إن الأمم المتحدة ذهبت في تحذيراتها من تداعيات أزمة توقف إمدادات الأسمدة، إلى أبعد من ارتفاع أسعار الغذاء، حتى قولها في تقرير صادم قبل أيام، إن هذه الاضطرابات في مضيق هرمز وتوقف إمدادات الطاقة والأسمدة سترفع من معدلات الجوع في بعض الدول؛ حددت منها السودان وجنوب السودان وأفغانستان واليمن والصومال.
وتوقعت أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع في جميع أنحاء العالم سيزيد بعشرات الملايين خلال عام واحد.
المؤكد أن إغلاق مضيق هرمز، الذي اتخذت منه إيران ورقة ضغط غير مشروعة في الحرب باعتباره ممرًا ملاحيًا دوليًا، بات يشكل خطرًا كبيرًا على شعوب العالم وامتد هذا الخطر إلى رغيف الخبز الذي يواجه أزمة غير مسبوقة بفعل توقف إمدادات الطاقة والأسمدة، ولعل هذا الوضع يضع أمريكا، قبل إيران، تحت ضغط عالمي كبير إذ بدأت أصابع الاتهام تتجه إلى إدارة ترامب، الذي أشعل هذه الحرب من الداخل الأمريكي قبل الخارج، وسط مخاوف من أن تزايد الضغوط الشعبية والدولية ربما يدفع ترامب لعمل عسكري بري كبير ضد إيران، وهو السيناريو الذي يتم ترويجه حاليًا للسيطرة على "جزيرة خارك" الإيرانية المطلة على المضيق؛ بغية الضغط على طهران في التوصل إلى اتفاق يجبرها على فتح مضيق هرمز، وهذا السيناريو لا أحد يعرف، على وجه اليقين، فرص نجاحه وربما يدفع الأمور إلى الأسوأ، وتتسع رقعة الصراع في الإقليم بل والعالم، وهو السيناريو الذي تحذر منه مصر، وتسعى من أجله حاليًا عبر جهود دبلوماسية مكثفة؛ لوضع حد لهذه الحرب ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب كبرى تحرق الأخضر واليابس.
الخلاصة: أن هذه الحرب، التي تعمل مصر على وقفها، ستكون فاتورتها باهظة على الشعوب، بعد أن أصبحت شظاياها تحرق كل شيء حتى رغيف الخبز، ويخطئ من يظن أن هذه الصدمة الاقتصادية، التي ضربت أسواق العالم، يمكن علاج آثارها خلال شهور إذا توقفت الحرب، بل إن كل التقديرات تذهب إلى أن هذه الأزمات التي خلفتها الحرب ربما تستغرق سنوات، حتى لو توقفت اليوم فالخسائر كبيرة، ومعامل الثقة في الأسواق، الذي تلاشى بفعل هذه الحرب، لن يعود إلى سابق عهده بسهولة، خصوصًا أن الأهداف التي أعلنتها أمريكا وإسرائيل لا تزال بعيدة المنال، ما يجعل الاقتصاد العالمي أمام سيناريوهات مفتوحة، وتتطلب خططًا استثنائية تحدد حجم التداعيات وسبل ومعالجتها، ولاشك أن مصر واحدة من الدول الأكثر تضررًا اقتصاديًا بفعل تلك الحرب المجنونة، والتي ستترك تأثيرات سلبية كبيرة على الاقتصاد المصري، ما يتطلب من الحكومة عملًا مكثفًا خلال هذه المرحلة؛ للحد من هذه التداعيات وتأثيراتها السلبية على المدى القصير والطويل، والتي ربما تمتد لفترة طويلة؛ فهي بلاشك أزمة اقتصادية كبرى تواجه العالم، وعلينا التحوط من تداعياتها المتوقعة على الاقتصاد المصري، وهنا لا بد من تأكيد أن هذه المواجهة، ولضمان نجاحها، من الضروري أن تكون بالمشاركة مع المواطنين الذين يقع عليهم عبء تحمل الفاتورة المتوقعة والمساعدة في ترشيد الاستهلاك لخفض فاتورة الاستيراد والمساعدة على رقابة الأسواق؛ لمنع الاستغلال ورفع الأسعار دون مبرر.
حفظ الله مصر وجيشها العظيم
[email protected]