28-3-2026 | 16:01

أنظر إلى محمد صلاح بطريقة مختلفة قليلًا عمّا ينظر إليه البعض؛ ففي بداياته في الدوري الإنجليزي ارتبط معه وباسمه أمران واضحان: شعره الطويل ولحيته من ناحية، ولقبه "الملك المصري" من ناحية أخرى.

لنبدأ من اللحية.. بعد نجاحه في أولى مبارياته، كتب الراحل صلاح منتصر مقالًا ينصحه فيه بحلقها، حتى يعطي صورة "أفضل" عن اللاعب المصري العربي المسلم، وحتى لا يقع في فخ الصورة النمطية التي تربط اللحية بالإرهاب.. انقسمت الميديا وقتها إلى فريقين؛ أغلبهم أيّد هذا الرأي، وقلة دافعت عن حرية صلاح في أن يكون كما يريد، معتبرين أن محاولة تغييره نوع آخر من التنميط.

مرت الأيام.. وثبت أن محمد صلاح لم يكن مشغولًا بالصورة بقدر ما كان مشغولًا بالفعل. لم يفكر بالطريقة التقليدية التي يفكر بها كثيرون، بل اختار أن يترك الملعب يتحدث عنه. وهنا يمكن أن نتوقف قليلًا أمام معنى بسيط: أحيانًا لا تحتاج أن تُحسن شكلك.. بل أن تُحسن ما تفعله.

أما لقب "الملك المصري" The Egyptian King، فربما كان نقطة فارقة منذ البداية. فقبل صلاح، اعتدنا أن نطلق على كل لاعب مصري في أوروبا لقب "الفرعون"، حتى صار كل اللاعبين فراعنة.. يتألقون فترة قصيرة، ثم لم يلبثوا أن يتراجعوا ولا يتركوا أثرًا واضحًا عميقًا في سجلاتهم الرقمية والقياسية، وليس ذلك الأثر الذي تركه أجدادنا بالنقش على الحجارة.. فكان أغلبهم أشباحًا وليسوا فراعنة كبارًا.. ثم إنه يجب علينا إطلاق اسم "الحضارة المصرية القديمة" بدلًا من الحضارة الفرعونية.. وربما كانت البداية من عند محمد صلاح.

ربما التمسك الدائم بالماضي، حتى في الألقاب، يجعل البعض يعيش عليه أكثر مما يصنع حاضرًا جديدًا. بينما جاء لقب "الملك المصري" مختلفًا، فيه ارتباط بالهوية، لكنه لا يستدعي الماضي بقدر ما يفتح بابًا للحاضر. وكأن الرسالة هنا: لا تكن صدى لما كان.. بل صوتًا لما هو آتٍ.

أنظر إليه أيضًا كواجهة لمصر، ولكن ليس بالمعنى التقليدي. ليس فقط لأن اسمه يُذكر بجانب جنسيته، بل لأن الأرقام التي يحققها تحمل معها علم مصر في كل مرة. في زمن "الإنفوجراف"، أصبح العَلم المصري يظهر بجوار كل رقم جديد يحققه، تمامًا كما يحدث مع علم الأرجنتين مع ميسي وعلم فرنسا مع مبابي أو غيرهما.. وهنا تتحول الفكرة من مجرد تمثيل إلى تأثير.

وللحقيقة هذا العلم الصغير الذي يظهر على تويتر وفيسبوك وكل وسائل التواصل كإيموجي صغير بجوار تلك الكتابات والإحصائيات والأرقام القياسية يسعدني؛ لأنها أرقام في الحقيقة صعبة التحطيم، وبالتأكيد ليست مستحيلة، وقد تكسر في أي وقت.. ولكنها صعبة فعلًا، منها على سبيل المثال لا الحصر الرياضي الشامل.

صلاح حقق أرقامًا قياسية ليست سهلة الكسر، وإن لم تكن مستحيلة. من بينها -على سبيل المثال- أنه أول لاعب في تاريخ الدوري الإنجليزي يجمع بين جائزة الهداف، والأكثر مساهمة، وأفضل لاعب في موسم واحد.. وكذلك كونه الوحيد الذي تجاوز حاجز الـ 40 هدفًا ومساهمة في موسمين مختلفين، بالإضافة إلى رقمه الإعجازي في المباريات الافتتاحية على مدار سنوات طويلة. أرقام تحتاج ليس فقط موهبة، بل استمرارية نادرة.

جلس صلاح في أحد حواراته وتكلم عن "العقلية" Mentality  وانقلبت الدنيا عليه، كلها سخرية منه وانتقاد؛ لأنه قالها بالإنجليزية.. ظل الجميع ينتقد ويسخر من ذلك اللاعب الذي جاء من ريف قرية مصرية، وكيف بدأ في إلقاء الكلمات بالإنجليزية في الحوارات المتلفزة.. كأنه مكتوب عليه أن يظل ذلك الفلاح الريفي.. وسخرية أخرى على طريقة تفكيره شخصيًا.

حتى جاءت لحظة تاريخية مفصلية، تعكس فرق التفكير الذي تكلم عنه صلاح، لحظة عرض عليه الانتقال إلى أحد الأندية السعودية بمبلغ خيالي يتجاوز 200 مليون دولار في العام أي ما يوازي بالمصري، 10 مليارات جنيه.. وهو رقم جعل الجميع يؤكد أن صلاح سيوافق على العرض وسينتقل فورًا.. ساعتها همست في أذن صديق ناقد رياضي، بأن صلاح لن يفعل، وأنه يفكر بطريقة مختلفة، وأنه سيظل في إنجلترا يطارد الأرقام القياسية، وأنه لا ينظر للمال والنقود كنظرة المتعجلين -فربما عنده منها ما يكفيه- بل ينظر إلى تسجيل اسمه في التاريخ.. وبعد عام من القيل والقال تحققت ميزة "العقلية" واستمر اللاعب في إنجلترا وحطم أغلب الأرقام القياسية التي استطاع.

في كثير من النقاشات ظهرت انتقادات عدة تقول إن صلاح ليس لاعبًا مهاريًا.. وأنه أقل من لاعبين آخرين.. هذا أمر ليس فيه انتقاص من اللاعب؛ لأن الله خلق الناس درجات ومهارات وإمكانات، ولكن العبرة دومًا فيمن يحسن استغلال كل ميزة فيه، فعبدالحليم لم يكن أفضل الأصوات، ولكنه ظل الأول في الغناء.. وليس هذا في الطرب فقط.. إنها في الشعر والأدب والفن وحتى في العلوم الطبيعية.. والعبرة ليست في الموهبة فقط، فلو كانت عندك موهبة كبيرة ولا تستغلها أو تدمرها فأنت تتساوى بمن ليس عنده تلك الموهبة.

كما قال أحمد زويل: "العالم الغربي ليس عبقريًا… إنهم يدعمون الفاشل حتى ينجح"، بينما نحن أحيانًا نفعل العكس. ولهذا، ربما يكون من الأجدر أن ننظر إلى تجربة محمد صلاح باعتبارها مثالًا للاجتهاد والاستمرارية، لا باعتبارها حالة استثنائية بعيدة.

محمد صلاح ليس لاعبًا بلا أخطاء، بل إنسان طبيعي مثلنا، يخطئ ويصيب. لكن الفارق أنه لا يتوقف عند الخطأ، ولا ينشغل كثيرًا بالضجيج من حوله. يركّز فقط على ما يفعل.. وربما لكل هذا أنا أدعمه وأسانده.

إكس: @AhmedTantawi

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة