بعد أربعة أسابيع من اندلاع الحرب، لم يعد السؤال: من ينتصر؟! بل أصبح: من يستنزف أولًا؟!
هذه لم تعد حرب حسم عسكري سريع، بل تحولت إلى سباق مع الزمن؛ حيث لا يُقاس التفوق بما يتحقق في يوم أو أسبوع، بل بما يمكن الاستمرار فيه شهرًا بعد آخر.
*الحرب كمعادلة استنزاف*
على الجانب الإيراني، ورغم الضربات المكثفة التي طالت البنية التحتية العسكرية والصناعية، لا تزال القدرة على الرد قائمة، وإن كانت بوتيرة أقل. انخفاض عدد الصواريخ لا يعني قرب نفادها، بل يعكس تحولًا نحو إدارة المخزون بحذر، استعدادًا لصراع أطول.
في المقابل، تعتمد إسرائيل على منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات، حققت نسب اعتراض تجاوزت 90%. ومع ذلك، فإن ما أفلت من هذه المنظومة كان كافيًا لإحداث قدر معتبر من الأذى. فهذه المنظومة، مهما بلغت كفاءتها، تستنزف بسرعة: كل صاروخ هجومي يقابله صاروخ دفاعي يُستخدم، بتكلفة باهظة ووتيرة إنتاج أبطأ.
وهنا تظهر المعادلة الحقيقية:
هل تنفد الصواريخ الهجومية أولًا، أم وسائل الاعتراض؟
*خسائر غير متكافئة… لكن متصلة*
دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل هذه الحرب بمزايا واضحة: تفوق عسكري كبير، وقدرات استخبارية متقدمة. في المقابل، اعتمدت إيران على أسلحة أكثر مرونة وأقل تقليدية، مستفيدة من موقع جغرافي بالغ الحساسية يجعلها نقطة عبور لنحو 20% من تجارة النفط العالمية، فضلًا عن سلع إستراتيجية أخرى.
الخسائر على الأرض تعكس هذا التباين
في إيران، أدى استهداف المنشآت العسكرية والصناعية إلى أضرار واسعة امتدت إلى مناطق مدنية. والنتيجة ليست فقط تراجعًا في القدرات العسكرية، بل ضغط متزايد على قدرة الدولة على الاستمرار اقتصاديًا وخدميًا.
في إسرائيل، الصورة مختلفة: الدمار أقل، لكنه متكرر ومؤثر. فنجاح منظومات الدفاع لا يمنع “التسرب”، وهذا القدر المحدود من الضربات الناجحة كان كافيًا لإبقاء الجبهة الداخلية تحت توتر وضغط دائم.
أما دول الخليج، فخسائرها في الطاقة والتصدير والسياحة يمكن تلخيصها في كلمة واحدة: الاقتصاد. استهداف منشآت الطاقة، خاصة في قطر، كشف أن الخسارة قد تكون طويلة الأجل وممتدة لسنوات.. الخسارة لا تُقاس بعدد الضربات، بل بمدى تأثيرها لفترات ممتدة على الإنتاج والتصدير والسياحة وريادة الأعمال.
وفي الولايات المتحدة، تتخذ الخسائر بعدًا أكثر تعقيدًا. فبعيدًا عن الخسائر العسكرية المحدودة، تتحمل واشنطن كلفة يومية مرتفعة -تقدر ببليوني دولار- في حرب لا تمثل تهديدًا مباشرًا لأراضيها، بينما ينعكس ارتفاع أسعار الطاقة والسلع سريعًا على المستهلك الأمريكي.
لكن الخسارة الأعمق ليست مالية فقط، بل إستراتيجية. فهذه الحرب تكشف مأزقًا متكررًا في السياسة الأمريكية: القدرة على بدء الصراع لا تعني بالضرورة القدرة على إنهائه بنصر. ومع غياب هدف محدد قابل للتحقق، يتحول التفوق العسكري إلى عبء، وتصبح الاستمرارية في الحرب بحد ذاتها معضلة.
في الداخل، يتصاعد التساؤل: هل تسعى الولايات المتحدة إلى إنهاء التهديد، أم إلى إدارته؟ وهل ما يجري هو حسم للصراع، أم مجرد تأجيل لأزمته؟!
*الاقتصاد.. ساحة الحرب الخفية*
في الخلفية، تدور حرب أخرى لا تقل أهمية: حرب الأسواق.
أسعار النفط، تحركات الأسهم، وتقلبات الذهب، لم تعد مجرد انعكاس للحرب، بل أصبحت جزءًا منها. المفارقة أن الأسواق لا تتفاعل مع ما يحدث، بل مع ما تتوقع أنه سيحدث. ولهذا قد تهبط المعادن النفيسة في ذروة التوتر، أو ترتفع الأسهم عقب تصريحات سياسية مفاجئة.
ولهذا لم يعد مستغربًا أن تتحرك المليارات في دقائق، صعودًا وهبوطًا، مع كل إشارة سياسية. لكن اللافت أكثر هو تكرار نمط مقلق: تحركات مالية ضخمة تسبق التصريحات المفصلية مباشرة، بما يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت بعض الأطراف تستفيد من معلومات غير متاحة للجمهور.
في هذا السياق، لا تبدو الأسواق مجرد متلقٍ للأحداث، بل طرفٌ يستفيد منها، وربما يسبقها. وهنا يتحول السؤال من “كيف تتأثر الأسواق بالحرب؟” إلى: من يستفيد من توقيتاتها؟
*إلى أين نتجه؟!*
السيناريوهات متعددة، لكنها تدور جميعًا حول محور واحد: الزمن.
إما أن تستمر الحرب كصراع استنزاف طويل منخفض الحدة، أو تتصاعد لفترة قصيرة قبل أن تفرض كلفتها الاقتصادية والسياسية مسارًا تفاوضيًا غير معلن.
في كلتا الحالتين، لا يبدو أن أي طرف يسعى إلى نصر كامل، بقدر ما يسعى إلى تحسين موقعه قبل لحظة التوقف.
ما تكشفه الأسابيع الأربعة الأولى هو أن هذه الحرب لا تُحسم في الميدان فقط، بل في القدرة على الاستمرار.
ففي زمن الحروب الحديثة، لا يكفي ان تضرب خصمك، بل أن تضمن أنك تستطيع تحمل الضربات أكثر منه.
ولهذا، فإن السؤال الذي سيحدد مسار هذه الحرب ليس من بدأها، ولا من أصاب أكثر، بل من يستطيع أن يبقى في المعادلة أطول؟!