يتهرب الكثيرون من كل الأعمار في كل زمان ومكان من التوبة لأسباب مختلفة "ويظلمون" أنفسهم ويضيعون فرصًا رائعة للاستفادة من "كنوز" التوبة التي تنير لهم الدارين، وغيابها يصنع الخسائر الفادحة في الدارين أيضًا.
ففي الدنيا يفوز من "يغتسل" بالتوبة أولًا بأول بالتخلص من كل ما يؤخره عن الفوز بحياة طاهرة وبقلب "يخلو" من التشبث بالذنوب؛ فينعم بالبركة وبالتوفيق وبراحة نفسية تمكنه من "التفرغ" لما يفيده ويسعده في الدارين، بدلا من الاستنزاف للطاقات الذي يأكل من يتمادى في ارتكاب الذنوب بأنواعها ودرجاتها.
التوبة تعني التراجع "بصدق" عن الذنب أو المعصية واختيار التطهر منها وإنارة العمر بطاعة الرحمن.
من أهم أسباب التهرب من التوبة، إقناع النفس بأن ما تفعله من الذنوب أمر بسيط وتقليل من أهميتها، وتعمد تناسي أن "التأخر" في إزالة التراب القليل من النوافذ "والسماح" له بالتراكم سيعيق الرؤية الجيدة بمرور الوقت، وهذا ما تفعله تراكم الذنوب الصغيرة التي تطمس البصيرة ولو بعد حين، وتفتح الأبواب للذنوب الأكبر.
يعد مقارنة الذنوب بما يفعله البعض من ذنوب أكبر أو كبائر والشعور بأننا أفضل من غيرنا من أبواب التهرب من التوبة، وتجاهل أننا سنحاسب عليها وحدنا، وأنهم "قد" يتوبون ويحسنون التوبة، وكما نسعى لتقليل لخسائرنا الدنيوية "بجدية"، ولا نقول غيرنا يخسر أكثر؛ فلماذا لا نفعل ذلك مع خسائرنا الدينية؟
نتوقف عند إنكار ارتكاب الذنب، أو القول بأننا لم نتعمده؛ وفي ذلك مغالطة "ظالمة" للنفس، فالقانون يعاقب على القتل الخطأ ولا يبرئ من يفعله، وإن كانت عقوبته أقل من القتل المتعمد بالطبع.
وكذلك فعدم تعمد ارتكاب الذنب "لا" يعفي مرتكبه من الإثم، وكفى بالكبر ورفض الاعتراف بالذنب خطيئة، يجب على كل من "يحترم" عمره ألا يقترب منها وليس أن يفعلها ويدافع عنها، وقد يخاصم من ينبهه ليتراجع عنها.
نصل إلى القول بأن الجميع يرتكب ذنوبًا؛ وهذا قول حق يراد به باطل، فجميعنا نرتكب ذنوبًا ولكننا جميعًا مطالبون بالتوبة، ففي الحديث الشريف: "كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ".
وجميعنا عندما نمرض لا نقول الجميع يمرضون ونواصل حياتنا "ونسارع" طلبًا للعلاج للشفاء ولمنع المضاعفات.
وتأجيل التوبة أو التهرب منها يعرضنا بلا شك لمضاعفات بشعة؛ فالاستهانة بالذنوب -وإن صغرت- يرشحنا لارتكاب الأكبر؛ فلا شيء يظل في وضع الثبات؛ فإما نقضي على المرض أو يستفحل ويصبح مزمنًا وقد يتسرطن ويدمر الحياة، لا قدر الله بالطبع.
من أسباب التهرب من التوبة متابعة بعض من يصفون أنفسهم بالدعاة دون امتلاك أدوات الداعية؛ وأهمها الإخلاص وعدم السعي لامتلاك الجماهيرية من خلال إصدار فتاوى بدعوى "التيسير" على الناس، ومن ذلك الدعوة إلى عدم القسوة على النفس عند ارتكاب الذنوب والمبالغة في التهوين من ارتكاب الذنوب وتناسي أن "أقل" مخالفة مرور نقوم بدفع ثمنها ولا يُقال لنا إنها بسيطة.
ولا أحد بالطبع ضد التيسير على الناس فرسولنا الحبيب ما خُير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا.
من الإثم بدون شك التهوين من ارتكاب الذنوب وعدم المطالبة بالإسراع إلى التوبة والتبرؤ من الذنوب وكراهية العودة إلى ارتكابها والعزم على ذلك، وهذه شروط التوبة.
أما القول بأننا بشر ولسنا ملائكة ولا داعي للتشدد عند اقتراف الذنوب؛ فهو خداع للنفس وخضوع "مذل" بكامل الإرادة إلى وساوس إبليس اللعين.
أما القول إن الله غفور رحيم؛ لتبرير عدم التوبة فهو من "سوء الأدب" مع الله سبحانه عز وجل؛ فإذا كنا نعمل مع صاحب عمل يتسامح مع الأخطاء فلن يتمادى الأغلبية طمعًا في تسامحه "وسيخافون" من غضبه وعقابه، إلا من خاصموا الذكاء وسيلومون أنفسهم ويندمون أشد الندم عندما يقوم بطردهم.
فما بالنا -ولله المثل الأعلى- بالخالق عز وجل فكيف لا نخاف غضبه؟
ولا مجال هنا للحديث عن التشبث بالأمل في رحمة الله عز وجل فهو مرتبط بفعل كل ما نستطيع من العبادات والحرص كل الحرص على تجنب المعاصي والذنوب والمسارعة إلى التطهر منها فور فعلها وما عدا ذلك فهو "خيانة" للنفس وإلقائها نحو الهاوية بكل الوعي والاختيار مع كامل الإصرار.
يتهرب البعض من التوبة بعد إضعاف النفس أمام الإغراءات، والأذكى تجنب كل ما يضعفنا والتعامل معه كخطر يجب المسارعة بالفرار منه وليس كمتعة، وكخسارة وليس مكسبًا وإن ربحنا منه "مؤقتًا؛ فالمكسب الحقيقي هو ما ينير قبورنا أليس كذلك؟
يؤجل البعض التوبة قائلًا: ما زال أمامي وقت أو ما زلت صغيرًا!! ولا أحد منا يزعم أنه يستطيع تحديد متى سينتهي وقته في الدنيا "ويغادرها" بلا رجعة، كما أن ما نؤجله يصعب علينا فعله أو نخدع أنفسنا بأنه غير ضروري.
نتوقف عند التبرير "الأسوأ" للتمادي في المعصية وعدم المسارعة بالتوبة بأننا نحب الله عز وجل، وأن سبحانه يطلع على قلوبنا ويرى أننا نحبه وهذا الأهم، ونردد قول الشاعر:
تعصى الإله وأنت تظهر حبه
هذا لعمرك في الفعال بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته
إن المحب لمن يحب مطيع
في كل يوم يبتديك بنعمة
منه وأنت لشكر ذلك مضيع.
ومن أزكى النعم وأغلاها وأفضلها فرصة التوبة قبل فوات الأوان، ومعنى بديع "هنا"؛ أي مخترع وغير حقيقي.