بين وهم البداية ومأزق النهاية.. ترامب يتكلم خارج الواقع (2-2)

26-3-2026 | 15:31

اعتمدت إيران نمطا لا مركزيا فى إدارة العمليات، يقوم على توزيع الوحدات العسكرية عبر المحافظات، فيما يسميه بعض الخبراء: إستراتيجية الموزاييك، وهى بنية دفاعية تتكون من وحدات متعددة، لكل منها مخزونها، وتسلسل أوامرها وقدرتها على العمل، حتى فى حال تعطل القيادة المركزية، وهذا يعنى ببساطة أن استهداف المراكز الكبرى لا يؤدى بالضرورة إلى شل القدرة على الرد، وأن الحرب مع إيران لا تشبه إسقاط مفتاح كهرباء ينطفئ بعده كل شىء.

ومن هنا يمكن فهم، كيف واصلت إيران إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، برغم الضربات المكثفة التى طالت مستودعات السلاح ومنصات الإطلاق ومراكز القيادة، كما يمكن فهم طبيعة الهجمات المضادة بعيدة المدى وغير المتوقعة التى استهدفت مواقع أمريكية وإسرائيلية، ومن بينها الهجوم على قاعدة «الأزرق» الجوية فى الأردن، بما حمله من دلالة على أن هامش الرد الإيرانى، لا يزال يتجاوز كل الخطوط الحمراء، وأن ميدان الاشتباك قابل للاتساع، وليس للانكماش كما توحى تصريحات ترامب.

الأهم من ذلك أن هذه الحرب لا تُخاض بالسلاح وحده. إيران تدير، فى جانب معتبر منها، حربا هجينة: عسكرية وسياسية واقتصادية ونفسية فى آن واحد. وهي، فى ضوء عقيدتها القتالية، لا تراهن فقط على الصمود التقليدى، بل على استنزاف الخصم، وتعقيد حساباته، ورفع كلفة المواجهة، إلى الحد الذى يجعل الانتصار السريع، مجرد وهم دعائى.

وإذا ما تطور المشهد إلى غزو برى، أو انخراط ميدانى أوسع، فإن طهران تحتفظ أيضا بخيار حرب العصابات وإطالة أمد النزاع، بما يعنى أن مسألة الخروج من الحرب، ستصبح أشد تعقيدا من قرار الدخول إليها.

وهنا يظهر المأزق الأمريكى بوضوح فبحسب ما أوردته تقارير فى الكونجرس الأمريكى، استهلك البنتاجون خلال أول 48 ساعة من عملية الغضب الملحمى، ذخائر تقدر قيمتها بنحو 5.6 مليارات دولار، بينما تزايدت المخاوف من استنزاف سريع لمخزون الذخائر المتطورة، خصوصا بعد خسارة 11 طائرة مسيرة من طراز MQ-9 Reaper، وتضرر منظومتين من منظومات ثاد، الرادارية، بتكاليف باهظة، والمعنى هنا لا يقتصر على الكلفة المالية، إنما يطال القدرة على الاستمرار، ومعدل الاستهلاك، وسقف التحمل السياسى والعسكرى فى واشنطن.

وبالتالى، فإن الحديث عن قرب نهاية الحرب لا يستند، حتى الآن، إلى مؤشرات صلبة، الأهداف متباعدة، والثقة معدومة، وصفقة سياسية مقبولة للطرفين - الإيرانى والإسرائيلى - غير متاحة فى الأفق، أما الولايات المتحدة، فتبدو عالقة بين رغبة رئيسها فى إعلان نصر سريع، وبين وقائع ميدانية تقول إن إيران لم تنهزم، وإن الخصم ما زال قادرا على الرد والمناورة وإطالة زمن الصراع.

لهذا، فإن جوهر المسألة ليس فى متى بدأت الحرب؟ أو متى ستنتهى؟ بل فى أن ترامب تعامل معها منذ البداية باعتبارها فرصة لصناعة صورة، لا باعتبارها معضلة إستراتيجية معقدة، لقد أراد حربا قصيرة تخدم سيرته السياسية، فإذا به يواجه حربا لا تعترف بالسرديات الشخصية، دخلها بخفة الواثق من سيناريو كتبه لنفسه، لكنه يكتشف الآن أن الخروج منها يحتاج إلى شىء لا توفره النرجسية: «قراءة هادئة للواقع، واعترافا بحدود القوة، وقدرة على تقديم تسوية لا تبدو هزيمة».

الخلاصة: أن تصريحات ترامب المتضاربة، لا تقول لنا أين تقف الحرب بقدر ما تكشف لنا أين يقف هو: بين وهم صنعه خياله، وواقع يرفض أن يطاوعه، وربما كان قرار الدخول إلى الحرب سهلا، بل متهور وغير محسوب كما بدا منذ البداية، لكن اختيار نقطة الخروج منها، وصياغة رواية مقنعة عن أسبابها ونتائجها، هو الأمر الأصعب بكثير. فالحروب، على عكس الخطابات، لا تنتهى حين يقرر الزعيم أن يعلن ذلك أمام الكاميرات.

الحروب تنتهى حين تتغير موازين القوة، أو تنضج التسويات، أو ينهك الجميع، وحتى ذلك الحين، سيظل ترامب يتحدث كثيرا، لكن الواقع سيتكلم بصوت أعلى.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة