وربك الأكرم (5)

26-3-2026 | 14:18

حينما أمرُّ على الآية الكريمة: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [سورة الزمر: الآية 10]؛ أتدبر رحمة الله وكرمه اللامحدود. هل يمكن أن نتخيل أن هناك فئة من العباد تدخل الجنة دون حساب؟

نعم، إنهم الصابرون؛ الذين صبروا على قضاء الله. علموا أنهم في دار ممر وأن الآخرة دار المستقر؛ فكانت الجنة أملهم ومناهم. صبروا على دنيا فانية لا قيمة لها. علموا أنهم يعيشون في اختبار، الناجح فيه يدخل الجنة. فما بالك بربٍّ اصطفى عبادًا ابتلاهم بابتلاء صعبٍ أن يتحمله الكثيرون؟ صبرُ المبتلى هو إذعانٌ لرب البلاء، وإيمانٌ مطلقٌ بقدره وقدرته.

إنه تسليمٌ لأمر الله. وأعطي مثلًا ولله المثل الأعلى: إذا أعطيتَ ابنك أمرًا فنفذه رغم مرارته؛ رد فعلك سيكون الامتنان، هذا وأنت الأب، فما بالك بالخالق؟

الحقيقة أننا كلنا في ابتلاء، نعم في ابتلاء. من يصبر يدخل الجنة بلا حساب. فالغني في ابتلاء؛ لأن المال ليس نعمة كما يظن البعض، بل هو من أشد أنواع الابتلاء، وهذا دليلي:

نعلم أن من الأسئلة التي سيتم توجيهها للعبد: مالك فيما أنفقت؟

زاد حسابك بزيادة مالك. وحين يكون الإنفاق فيما لا يرضي الله، كان ذلك مدعاة للعقاب. تخيل لو كان مالك قليلًا، أو كنت من المساكين الذين يحتاجون الزكاة والصدقات؛ وقت الحساب ستوقن أن الأفضل عدم امتلاكك للمال، أو امتلاك القليل منه؛ لذلك المال ابتلاء كبير. وهنا يتبادر للذهن سؤال مهم: كيف تصبر على ابتلاء المال؟

الإجابة بتوجيهه فيما يرضي الله، وتلك آلية صعب تحقيقها؛ لأن الغالبية تقول عن مالها: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي}؛ لذلك يمرح ويفرح ويفعل بالمال كل الموبقات. فتكون نتيجة ابتلاء المال سعادة في الدنيا وحسرة في الآخرة.

أما الصابرون على بقية الابتلاءات، وتوجيه الشكر والحمد لله، فهؤلاء هم الفئة الوحيدة التي تدخل الجنة بلا حساب؛ لتكون خالدًا فيها. رضيت بما قسمه لك الله، فكان هو الأكرم، ومنحك بابًا تدخل منه الجنة فور قيام الساعة.

تخيل أن يوم القيامة بـ 50 ألف عام مما نعد؛ لأنه يوم الحساب لكل العباد. يوم طويل، فيه نمر على الصراط؛ المؤمن التقي قد يستغرق مروره لحظات بحساب الزمن الحالي، والتعيس -والعياذ بالله- قد يستغرق سنوات حاملًا ذنوبه ومعاصيه.

لذلك أقول لكل مبتلى: اصبر على قضاء الله، واحلم بجنته جل في علاه، واسعَ بصبرك ورضاك لقضاء الله لدخولها، وقارن بين من يخضع للحساب يوم الحساب، ومن يدخل الجنة بلا حساب. وتأكد أن ربك الأكرم دائمًا وأبدًا.

وإذا أردت كرم الله، كن كريمًا مع عباده.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: