26-3-2026 | 13:49

اعتاد صديقى -بحكم طبيعة عمله- حضور الكثير من المؤتمرات والندوات وورش العمل، وكل ما يطلق عليه اسم محفل علمي، وكان المعتاد أن يجد من يعرفه وينتظره ويرحب به، بل وربما سحبه من يده وذهب يقدمه للآخرين بمنتهى الفخر والحماس، ولم لا وهو المتخصص في مجاله الذى لا شك في تميزه ومساهمته القيمة في هذا المحفل، لكنه وجد نفسه في إحدى المرات يشارك من خلال دعوة تلقاها على بريده الإلكتروني، فلما ذهب فوجئ أن لا أحد ينتظره ويستقبله كالمعتاد! وبعد دقائق كان مطالبًا بالتقدم للمنصة وعرض مساهمته العلمية أمام أناس لا يعرفهم ولا يعرفونه! وهو بالطبع أمر سيء وممل لمن لا يجيد التعامل مع تلك المواقف التي تفرضها الظروف في كثير من الأحيان. شعور قاتل بالغربة والوحدة!!

لكن بمرور الوقت وتكرار الموقف، اعتاد صديقنا ذلك، بل ربما بات باحثًا عنه، يترقبه ويتمنى حدوثه بمنتهى الشوق واللهفة؛ ولم لا وقد دربته الأيام وأثقلته وعلمته كيف يتعامل مع المناسبات التي يصل إليها فلا يجد أحدًا يعرفه، وها هو أصبح محبًا لها، متيمًا بها لأقصى درجة كان يعتبرها في كل مرة اختبارًا لمدى مهارته في إثبات أنه موجود؛ موجود في لحظة لا يراه فيها أحد ولا يعلمون غير اسمٍ قد شارك في أمر ما دون أن يروا صورته!!

اعتاد تلك اللحظة وأحبها وعشق فلسفتها، ونشأت بينهما صداقة حميمة؛ ولم لا وقد اعتبرها الصديق الوفي الذي يبذل كل طاقته لإظهار صديقه في أبهى صورة، وتقديمه للجميع في أجمل إطار أصبح يعلم -عندما يصل مكانًا ويكتشف أن لا أحد يعرفه- أن لحظته المفضلة تنتظره، سبقته إلى المكان مبكرًا لتعد له عدته وتجهز الجميع للقائه أصبح يعرف تعليماتها جيدًا، وأولها أن يترك لنفسه المجال لتعيش إحساس الوحدة والغربة كما ينبغي، كما شعره وآلمه في أول مرة، هذا الإحساس هو شرارة الانطلاق دائمًا، حافزه الخفي الذي لا يراه أحد غيره، وقوده الذي سوف يجعله يشعل المكان بعد قليل! 

تراه يقف وحيدًا منعزلًا عن الجميع، ينظر إليهم ويتعرف عليهم عن كثب دون أن ينطق بكلمة، هو الآن يتأمل ويراقب ويرتب الكلمات التي سوف ينطلق بها أمامهم بعد قليل؛ ليكشف بها عن نفسه ليخبر الجميع عن هذا الغريب الصامت المتأمل الذي كان يجلس بعيدًا وحيدًا يحتسي كوب قهوته في صمت وهدوء، هذا الغريب الذى لا يعرفون عنه شيئًا سوى أنه يجلس في آخر الصفوف منصتًا بكل حواسه لكل ما يقال، يدون في ورقته شيئًا لا يعلمونه، لكنه يبدو مهمًا لأقصى درجة، فهذا ما تعكسه عيناه وهو يكتب، لا يدركون أو يتصورون أن شيئًا مميزًا يتم إعداده في تلك الورقة بمنتهى الحرص، شيئًا سوف يطلقه بعد قليل، ابتسامة أو كلمة وربما نظرات أو حركات يتم رسمها في تلك الورقة بمنتهى الدقة ليفاجئهم بها فيتركون كل شيء ويتأملونه!!

أصبح يعرف كيف يعد عدته ليجذبهم إلى مجاله جذبًا، لينتبهوا بكل حواسهم إلى ذلك الشخص الذى كان مجهول الهوية منذ دقائق، ذلك الغريب الذى كان يقف وحيدًا يتيمًا في الركن البعيد يحتسي كوب القهوة، وكأنه قد تلقاه على سبيل الشفقة والإحسان! يقف هادئًا صامتًا، وربما بدا لهم منكسرًا حزينًا أتى إليهم كرهًا لا طوعًا، ما الذى حدث إذن؟ كيف تحول بهذا الشكل ليصبح الآن هذا المتحدث اللبق المنطلق بكل طاقته، لا يرى أمامه شيئًا إلا رغبته في توصيل رسالته إليهم!!

كيف وجد تلك الكلمات ومتى أعدها ورتبها بهذا الشكل؟! 

كيف تمكن من إتقان تلك النبرة؟!

وكيف يجرؤ على الإتيان بتلك الحركات المصاحبة لحديثه؟!

ولا ينتهي الأمر إلا والجميع يلتفون حوله ليتعرفوا عليه ويتبادلوا معه وسائل الاتصال، على وعد بمشاركته في العديد من الفعاليات القادمة التي يعدون لها حدث ذلك كثيرًا، ليجد نفسه عضوًا في جمعية، ومشاركًا في مجموعة عمل، وربما مساهمًا في ورقة بحثية قيمة، وكثيراً ما نتج عن ذلك دعوته للسفر للمشاركة في فعالية علمية عالمية، كل ذلك بعد أن تكلم!!
 
صدق سقراط عندما قال: تكلم حتى أراك!!

كلمات البحث