إذاعة القرآن الكريم من القاهرة

26-3-2026 | 13:14

إذاعة القرآن الكريم من القاهرة.. شعار يُطرب الآذان، نستمع إليه منذ اثنين وستين عامًا، بالتمام والكمال.. تأسست إذاعة القرآن الكريم من القاهرة في 25 مارس من عام 1964، وبدأت بتلاوات مباركات للشيخ محمود خليل الحصري.

وقد ساق الله تعالى ظروفًا وملابسات أدت لقرار نشأتها، ودعت إلى سرعة تنفيذه؛ ففي أوائل الستينيات من القرن الماضي، ظهرت طبعة مذهبة من المصحف، ذات ورق فاخر وإخراج أنيق، بها تحريفات خبيثة ومقصودة لبعض آياته! منها قوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [سورة آل عمران: 85]، وطبعوها مع حذف كلمة «غير»! فأعطت الآية عكس معناها تمامًا! وكانت هذه الطبعة، رغم فخامتها، رخيصة الثمن، وكان تحريفها مقصودًا وخفيًّا على هذا النحو، لكنَّ الله، صاحب الكلام، تولى حفظ كتابه، وأكد ذلك: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.

عشتُ عمري كله في العمل الإعلامي، كمذيع تليفزيوني في ماسبيرو، بوصفِي في الأساس واحدًا من أبنائه، وفي غيره من الفضائيات الخاصة، المصرية والعربية، وكأستاذ للمهارات اللغوية وفنون العمل التليفزيوني في بعض كليات الإعلام. وأجريتُ لقاءات متعددة مع رؤساء دول وحكومات ووزراء وعلماء ومفكرين ورجال دين، واحتفظتُ بمساحاتي في عالم الصحافة كواحد من كُتَّاب الأهرام الغراء. وقدمت النوعيات المختلفة من البرامج: (التوك شو)، والسياسية والاجتماعية والدينية.

وليس المراد بما تقدم استعراض عضلاتي الإعلامية، وإنما المراد تأكيد حقيقة مؤداها أنني تشبعتُ إعلاميًّا، تشبعتُ تمامًا. هذا التشبع لا يُستثنى منه إلا حُلْمي الدائم الذي كان وما زال يراودني، والذي لم أسعَ لتحقيقه في مفارقة عجيبة وغريبة! كيف يبقى حُلْمًا دون سعي؟! حُلْمي بأن أكون واحدًا من مذيعي إذاعة القرآن الكريم؛ استنادًا إلى كون الإذاعة أسهل من التليفزيون، والناس يسعون إلى التحول من الإذاعة إلى التليفزيون لا العكس من ناحية، واستنادًا كذلك إلى خبراتي في مجالات اللغة العربية والإلقاء والنحو والصرف والبلاغة والأخطاء الشائعة من ناحية أخرى.

واستنادًا قبل ذلك كله لحُبي وعشقي الشديدين لهذا النوع من العمل الذي يُعْظَّمُ فيه الأجر والثواب؛ فتجارة هذه الإذاعة العظيمة مع الله تعالى وكتابه العزيز وسنة رسوله الأكرم -صلى الله عليه وسلم- وما أعظمها من تجارة. الناس يتحدثون كثيرًا في موضوع بيئة العمل الملائمة، الصحية، المثالية، المرضية؛ فأي بيئة عمل أنقى وأتقى، أكمل وأجمل، من بيئة يغلفها كلام الله جلت قدرته؟

أستمع كثيرًا وسعيدًا لإذاعة القرآن الكريم، متمنيًا لو اختتمتُ عملي الإعلامي مذيعًا فيها؛ قناعةً منِّي بأنه مجال الشرف الأعظم، والتكريم الأكبر، والتقدير الأسمى لكل إعلامي. ويقينًا جاء عشقي لإذاعة القرآن الكريم من عشقي للقرآن الكريم نفسه؛ فلما كان جمالُ الكلامِ ينبعُ من جمالِ المتكلمِ، ولما كان القرآنُ الكريمُ كلامَ اللهِ تعالى، فإنَّ جمالَ القرآنِ الكريمِ يفوقُ كلَّ جمالٍ.. كتابٌ عظيمٌ لا تنقضي عجائبُه، ولا تنتهي إبداعاتُه.. إنَّ لكلِّ شيءٍ في هذا الوجودِ حدًّا، أما جمالُ القرآنِ الكريمِ فلا حدَّ له؛ جميلٌ في معناه، جميلٌ في مبناه، جميلٌ في ظاهرِه، جميلٌ في باطنِه؛ إذا أردتَ أن تضعَ حدًّا لوسامتِه أو مثيلاً لقسامتِه أعيتك الحيلُ.

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن القرآن الكريم: «كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا}.. فمن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم».

شهد بجماله وروعته المشركون أنفسهم؛ فهذا الوليد بن المغيرة حين سمع القرآن الكريم لأول مرة قال: "والله لقد سمعتُ من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، والله إنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّ أعلاه لمثمر، وإنَّ أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه".

قراء القرآن الكريم، ضيوف الإذاعة الدائمون من أهل مصر، لهم مذاقهم وإيقاعهم المتفرد الذي لا ينافسهم فيه أحد، وكأنما نزل القرآن الكريم بمكة المكرمة وقُرِئ في مصر، ونحن جميعًا ارتبطنا بأصوات السماء في تلاوات القرآن الكريم لرفعت والحصري وعبد الباسط والمنشاوي وغيرهم من أعلام القرآن الكريم الأخيار.

أعشقُ هذه الإذاعة وأحترمُ العاملين فيها، وعندما أقومُ بتقديم بعض المؤتمرات ويكون من الحضور مذيعون بإذاعة القرآن الكريم لا أنسى الإشادة بهم وبدورهم وبمكانة إذاعتهم الرائعة. لقد أودع الله حب إذاعة القرآن الكريم في قلوب كل الناس، وهكذا تبقى دومًا (رقم واحد) قبل كل إذاعة وقبل كل تليفزيون؛ هو تكريم من الله لحملة كتابه والقائمين على نشره والتزود من فيض نوره، تكريم ليس في حاجة لإنفاق الملايين عليه كما تفعل إذاعات وفضائيات كثيرة دون تأثير أو مردود!

ربما لم أسعَ وراء حلمي مهابةً لهذا الكيان واستشعارًا بعظمته وشموخه، ويكفيني في هذا المقام أنني العاشق المتيم، والله تعالى أسأل أن يجازيني على النية؛ فنيةُ المرءِ خيرٌ من عملِه. تحية شكر وتقدير لإذاعة القرآن الكريم بمن فيها وما فيها: البشر، والمعدات، والجدران، تحية معطرة بأسمى آيات العرفان والامتنان. واللهم اجعلنا من أهل القرآن العظيم وخاصته، ومن شفعائه يوم القيامة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة