السلم والثعبان 2 حين يفقد الفيلم صلته بقيم المجتمع

25-3-2026 | 22:26

لم أكن أنوي في البداية مشاهدة فيلم السلم والثعبان 2 "لعب عيال"، لكن أحد الأصدقاء كتب رأيًا مطولًا عنه.. لم يكن يتحدث فقط عن فيلم أثار الجدل، بل عن عمل يطرح أسئلة حول العلاقة الزوجية تحت اسم الفن، وما الذي أصبح يقدم بوصفه صورة طبيعية للحب والزواج والعلاقات.. أثارني ذلك الرأي، لا لأتبناه مسبقًا، بل لأختبر بنفسي مدى صدقه، فقررت مشاهدة الفيلم بعين هادئة، وبقدر من الإنصاف الذي يسبق الحكم.

لكن بعد المشاهدة، لم أجد نفسي أمام عمل يكتفي بسرد حكاية عاطفية أو تقديم دراما معاصرة عن تعقيدات العلاقات، بل أمام رؤية أكثر إزعاجًا؛ رؤية تعيد تعريف الإنسان من داخل شهواته، وتكاد تنزع عن الزواج قدسيته، وعن الأخلاق معناها، وعن المجتمع خصوصيته الروحية والثقافية.. ومن هنا جاءت هذه السطور، لا بوصفها انفعالًا عابرًا بعد المشاهدة، بل محاولة لقراءة ما يقوله الفيلم في عمقه النفسي والفلسفي، وما يكشفه من اغتراب عن ضمير المجتمع الذي يفترض أنه يخاطبه.

ليست المشكلة في هذا الفيلم أنه جريء، فالفن الحقيقي لا يدان لأنه يقترب من الجروح أو يفتح الأسئلة المؤلمة، بل المشكلة الأعمق أنه ينطلق من تصور للإنسان غريب عن بنية المجتمع المصري وضميره الروحي والأخلاقي.. إنه لا يرى الإنسان ككائن مسئول، ولا كذات تتجاوز رغباتها بالمعنى والالتزام، بل يراه ككائن مشدود إلى لذته، محكوم بجسده، ومأسور بنزواته، وكأن وجوده لا يكتمل إلا إذا تحرر من كل قيد، حتى لو كان هذا القيد هو الأخلاق، أو الدين، أو قدسية العلاقة، أو حرمة الأسرة، أو الميثاق الغليظ "صليبك المقدس". الفيلم، في جوهره، لا يقدم أزمة علاقات بقدر ما يقدم فلسفة ضمنية عن الإنسان والحياة: فلسفة تفرغ الزواج من كونه ميثاقًا غليظًا، وتحوله إلى عقد هش قابل للتبديد أمام أول اضطراب في المزاج أو أول نداء للذة أو أول تعب من المسؤولية.. هنا لا يعود الحب بناءً أخلاقيًا، ولا الشراكة نضجًا، ولا التضحية قيمة، بل تصبح العلاقة مجرد مساحة للاستعمال النفسي والعاطفي والجسدي، فإذا استنفدت الرغبة أو فتر البريق، سقط المعنى كله.

هذه الرؤية لا تبدو بريئة أو عفوية، بل هي أقرب إلى انعكاس لتيارات فكرية غربية حديثة قامت، في جانب منها، على خلخلة المركز الأخلاقي والديني للإنسان.. ففي الخلفية يمكن أن نلمح ظلال فلسفه نيتشه حين يتم التمرد على المرجعية الأخلاقية المستقرة، ويعاد تصوير القيم باعتبارها أثقالًا موروثة ينبغي كسرها لصالح إرادة الفرد ورغبته.. ونلمح فرويد حين يختزل الإنسان إلى توتراته الغريزية ودوافعه الكامنة، فتغدو الرغبة الجنسية والطاقة الشهوانية مركزًا لفهم السلوك، لا عنصرًا من عناصره. ونجد أصداءً من مناخات سارتر والوجودية المتطرفة حين تفهم الحرية بوصفها انفصالًا عن كل مرجعية متجاوزة، لا مسؤولية أخلاقية أمام الله والضمير والمجتمع. كما يمكن أن نستحضر مناخ فوكو في تفكيك البنى المعيارية، وماركيوز في ربط التحرر بتحرير الرغبة، وشيئًا من نزعات العدمية الأوروبية التي لا ترى في القيم الثابتة إلا بقايا سلطة قديمة ينبغي تقويضها.

لكن الفارق الجوهري أن هذه الأطروحات، على تعقيدها الفلسفي وتاريخها الخاص، نشأت في سياقات حضارية مختلفة، داخل مجتمعات دخلت في صراع طويل مع الكنيسة، والسلطة، والمركزيات القديمة، ثم أنتجت تصوراتها الخاصة عن الفرد والحرية والجسد. أما استيراد هذه الرؤية إلى المجتمع المصري، دون وعي بالفارق الحضاري والروحي، فهو ليس تحديثًا، بل اقتلاع للإنسان من تربته. فالمجتمع المصري، مهما اعتراه من اضطراب، لا يزال في عمقه ينظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا أخلاقيًا، وإلى الزواج بوصفه سكنًا ومسؤولية، وإلى الأسرة بوصفها نواة المعنى والاستقرار، لا مجرد ترتيب اجتماعي قابل للعبث.

ومن الناحية النفسية، فالفيلم يرسخ تصورًا شديد الخطورة عن الإنسان المعاصر: إنسان قلق، فارغ من الداخل، يهرب من مواجهة خوائه عبر الإثارة، والعلاقات الملتبسة، وكسر الحدود، وملاحقة اللذة، وتخدير الوجدان بالخمر أو الجسد أو المغامرة. لكنه لا يقدم هذا كله بوصفه مرضًا روحيًا أو تمزقًا نفسيًا، بل يمرره في كثير من اللحظات كما لو كان أسلوب حياة، أو قدرًا طبيعيًا للحداثة. وهنا تكمن الأزمة: لأن العمل لا يكتفي بتصوير الانهيار، بل يوشك أن يطبع معه، وأن يمنحه شرعية جمالية وعاطفية. إن أخطر ما في هذا النوع من الأعمال أنه لا يصدم المتلقي فقط، بل يعيد تشكيل حساسيته بالتدريج؛ إذ ينقل السلوك المنحرف من دائرة الاستنكار إلى دائرة الاعتياد، ثم من الاعتياد إلى دائرة التفهم، ثم من التفهم إلى دائرة التبرير. وهنا يصبح الفن أداة لإعادة هندسة الضمير، لا لإيقاظه. وهذا هو المعنى الأعمق للمشكلة، لسنا أمام فيلم يناقش أزمة أخلاقية، بل أمام خطاب ناعم يسحب من الإنسان يقينه الأخلاقي خطوة خطوة، حتى يستيقظ وقد صار يرى الانفلات حرية، والشهوة صدقًا، والخيانة بحثًا عن الذات، وتهشيم الزواج شجاعة وجودية.

وفي هذا السياق، يبدو الفيلم متورطًا في فلسفة فردانية شديدة القسوة، شبيهة بما نجده عند بعض مفكري الحداثة المتأخرة الذين جعلوا الذات هي المرجع الأخير، والرغبة هي المعيار، والتجربة الفردية هي الحقيقة الوحيدة. وهذه النزعة، وإن بدا فيها شيء من الإغراء، تنتهي غالبًا إلى فراغ هائل؛ لأن الإنسان لا يعيش بالرغبة وحدها، ولا يشفى بالتحلل، ولا يبنى بالإنكار الدائم للواجب. إن الإنسان، نفسيًا وروحيًا، يحتاج إلى معنى يضبطه، وحدود تحميه، ووفاء يثبته، وقداسة ترفعه فوق الاستهلاك المتبادل للأجساد والمشاعر. ومن هنا فإن اعتراضي على هذا الفيلم ليس اعتراضًا أخلاقيًا سطحيًا ولا انزعاجًا محافظًا من الجرأة، بل هو اعتراض على الرؤية الأنثروبولوجية التي يحملها، ما الإنسان؟ ما الحب؟ ما الزواج؟ ما الحرية؟ ما القيمة؟ الفيلم يجيب عن هذه الأسئلة بطريقة تجعل الإنسان أقرب إلى كائن لذائذي، هش، منفصل عن السماء وعن الجماعة وعن الضمير، تحركه رغباته أكثر مما يهديه وعيه، وتسوقه شهواته أكثر مما تضبطه مبادئه. وهذه الرؤية، حتى لو صيغت بحرفية فنية، لا تشبه مصر العميقة، ولا تعبر عن ضميرها الجمعي، ولا تمثل إلا شريحة ضيقة اغتربت عن وجدان المجتمع، ثم ظنت أن اغترابها هو التطور ذاته.

إن المجتمع المصري لم يكن يومًا مجتمعًا مثاليًا، لكنه مجتمعًا يعرف معنى الستر، والحياء، وحرمة البيوت، وقدسية العِشرة، ووزن الدين في تشكيل الضمير. أما أن يقدم له اليوم نموذج يعتبر الخمر، والعلاقات غير الشرعية، وتمييع الفروق بين الوفاء والخيانة، والتخفف من ثقل الزواج، علامات على النضج أو التحرر أو الواقعية، فذلك ليس كشفًا للحقيقة، بل إعادة كتابة للوعي وفق مرجعيات لا تنتمي إليه. وفي النهاية، فإن الفيلم لا يفشل فقط لأنه لا يشبه المجتمع، بل لأنه يتبنى، في العمق، تصورًا عن الإنسان هو أقرب إلى العدمية المقنعة: عالم بلا قداسة، رغبة بلا ضابط، علاقة بلا عهد، حرية بلا مسؤولية، وجسد بلا روح. ومن هنا يبدو هذا العمل، مهما امتلك من أدوات فنية، تعبيرًا عن أزمة حضارية أكثر مما هو تعبير عن واقع اجتماعي؛ أزمة تقول للإنسان تحرر من كل شيء، ثم تتركه وحيدًا أمام فراغه. وما أكثر ما يبدو هذا التحرر لامعًا في البداية، لكنه في نهايته ليس إلا صورة أخرى من صور السقوط.

كلمات البحث
الأكثر قراءة