خطر تحول "حرب إيران" إلى مستنقع لترامب

25-3-2026 | 16:45

بعد تصعيد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تتضح ملامح مأزق إستراتيجي طويل الأمد، حيث تواجه واشنطن قوة إقليمية أقل منها، دون أهداف واضحة أو إستراتيجية خروج. 

هذا ما يتفق عليه معظم الخبراء في المنطقة والغرب، ويبدو بصورة مطردة أن هذه الحرب تتجه لتصبح نسخة أخطر من المستنقع في أفغانستان والعراق وفيتنام، حيث تكبّدت الولايات المتحدة تكاليف باهظة على الصعيد الاقتصادي والبشري، ولم تحقق أهدافها السياسية بشكل حاسم.

ويوضح الخبراء العسكريون أن الاختلال في موازين القوى يصب في صالح الطرف الأضعف، إذ يمكن لإيران تحقيق "نصر" بمجرد البقاء وإلحاق خسائر محدودة لكنها مؤثرة بالاقتصاد العالمي والأسواق النفطية.

ومن ناحية أخرى كشفت مجريات الحرب عن حدود القوة الأمريكية عندما أعلن ترامب "توقفًا" لمدة 5 أيام، وعدم تهديد تدمير نظام الطاقة الإيراني، لإفساح المجال للتفاوض. 

ويبدو هذا فرصة لترامب لإعادة التفكير في كيفية الخروج من المأزق الذي وضعته فيه طهران، وهو مؤشر واضح على أن القوة الأمريكية ليست مطلقة كما يفترض.

وفي الوقت نفسه ترد إيران على تهديد ترامب بشكل مدروس، مؤكدة أن أي هجوم على منشآتها سيواجه ردًا مماثلاً، سواء على محطات الطاقة أو مضيق هرمز أو المنشآت الحيوية لدول المنطقة.
وتحرص طهران في خطابها لتجنب اتهامات بارتكاب جرائم حرب، وهو ما يُظهر فهم النظام الإيراني العميق لقيود الحرب وحرصه على استغلال التهديد الأمريكي لكسب الوقت وإظهار التفوق الأخلاقي.

ولا تبدو خيارات ترامب جيدة، وثمة أربعة خيارات جميعها سيئ أمام ترامب، وهي: الحوار، أو الانسحاب، أو الاستمرار في الحرب، أو التصعيد.

ويبدو في اللحظة الراهنة أن الحوار صعب للغاية بسبب انعدام الثقة وتباعد المطالب، بينما الانسحاب قد يترك إيران مسيطرة على مضيق هرمز، وقادرة على تهديد الأمن الإقليمي، وأسواق الطاقة.

ومن ناحية أخرى فإن الاستمرار في الحرب قد يقلل الهجمات الإيرانية جزئيًا لكنه لن يحقق نصرًا حاسمًا، أما التصعيد فيحمل مخاطر كبيرة قد تؤدي إلى فوضى إقليمية وحرب مفتوحة.

ويذهب بعض الخبراء إلى أن أي محاولة أمريكية للاستيلاء على اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب في أنفاق أصفهان ستكون معقدة وخطرة للغاية.

ويشير هؤلاء إلى أن أي محاولة أمريكية للاستيلاء على اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب في أنفاق أصفهان ستكون معقدة وخطرة للغاية، وتتطلب عمليات برية واسعة، مع مواجهة مباشرة لعشرات الآلاف من الجنود الإيرانيين في مواقع محصنة.

وكذلك، الهجوم على جزيرة خارك، الممر الرئيسي لصادرات النفط الإيراني، ينطوي على مخاطر عالية، إذ قد يؤدي إلى تصعيد إيراني يعطّل الأسواق العالمية، كما أظهرت الردود الإيرانية على الضربات السابقة في حقل غاز جنوب فارس.

وفي الوقت نفسه يطرح من حين لآخر سيناريو دعم الولايات المتحدة وإسرائيل لجماعات المعارضة في إيران وتسليحها، بما في ذلك الأكراد والبلوش وفصائل أخرى، إلا أن ذلك يهدد بإشعال حرب متعددة الأطراف، مع تدخل تركيا وباكستان ودول أخرى، مما يخلق بيئة فوضوية لا يمكن السيطرة عليها، وهو ما سيكون كابوسًا إستراتيجيًا للولايات المتحدة.

ويبقى أن الكثيرين في المنطقة وليس إسرائيل والولايات المتحدة فوجئوا بتماسك النظام الإيراني رغم اغتيال قادته، بما في ذلك المرشد الأعلى علي خامنئي، وتعيين نجله مجتبى خامنئي كخليفة له، مما عزز نفوذ العناصر "المتشددة" داخل النظام، وجعل أي تغيير داخلي سريع أمرًا شبه مستحيل.

وفي الوقت نفسه فإن هجمات واشنطن وتل أبيب لإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية التقليدية، مثل الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية، لم تمنع طهران من تهديد المنشآت الحيوية أو تعطيل المرور عبر مضيق هرمز.

وعلى الأرجح فإن التجارب التاريخية تنبئ عن مسارات المستقبل، فقد أظهرت تجارب التدخل الأمريكي في العراق وأفغانستان وفيتنام أن التصعيد العسكري عادة ما يزيد التعقيد الإستراتيجي ويصعّب السيطرة على الوضع، مع ارتفاع التكاليف البشرية والاقتصادية، دون تحقيق نصر سياسي واضح.

وفي الوقت نفسه أظهرت تجربة العراق أن الاحتلال الأمريكي خلق بيئة ظهور وانتعاش الجماعات المسلحة، بينما أعادت تجربة أفغانستان التأكيد على صعوبة مواجهة قوى الطرف الآخر في الحرب دون سيطرة على الأراضي والأمن المحلي.

تجربة العراق أظهرت أن الاحتلال الأمريكي خلق بيئة صعود الجماعات المسلحة، بينما أعادت تجربة أفغانستان التأكيد على صعوبة مواجهة التمرد دون سيطرة شبه كاملة على الأراضي والأمن المحلي.

وبينما تبدو معظم السيناريوهات صعبة للغاية، وتدفع باتجاه الحل التفاوضي، يبدو أن الخيار الأكثر واقعية هو خفض التصعيد وإدارة الأضرار، وذلك نظرًا لأن الأطراف يمكنها الوصول لتسوية تحفظ ماء الوجه بمساعدة الوسطاء مصر وتركيا وباكستان.

ونظرًا لاتساع فجوة عدم الثقة فإن ثمة خطوات مطلوبة مثل إعلان واشنطن أن الأهداف العسكرية الأساسية قد تحققت، مثل إضعاف القدرات الإيرانية، مع تأكيد عدم شن هجمات مستقبلية إلا إذا هاجمت إيران شركاء واشنطن الإقليميين أو استأنفت برنامجها النووي. وإعلان طهران بالمثل أنها صمدت وأظهرت قوتها، وسوف تسمح بعمل مضيق هرمز بشكل طبيعي، وإفساح المجال أمام صفقة شاملة.

وستتيح هذه الخطوات للوسطاء وللمجتمع الدولي الضغط على الولايات المتحدة وإيران لتقليل التصعيد، ويحد من المخاطر الاقتصادية والسياسية على الولايات المتحدة وحلفائها.

ومن ناحية أخرى تخشى المصادر العربية العليمة من إغواء نتنياهو لترامب ودفعه لعملية في هرمز، تحذر هذه المصادر من أن حتى الهجمات المتقطعة على مضيق هرمز أو المنشآت النفطية والخدمية، كفيلة بإحداث تأثير اقتصادي ونفسي كبير على الولايات المتحدة وحلفائها، وعلى الأسواق العالمية. 

وبات واضحًا أن المعارك الجوية والبحرية والضربات المحدودة لن تُطيح بالنظام الإيراني، ولن تُعطل القدرات التقليدية لطهران بشكل كامل.

وتذهب المصادر إلى أن إيران تحتاج فقط لإبقاء مستوى محدود من الهجمات لتثبت فشل الهدف الأمريكي في تحسين الأمن الإقليمي، وهو هدف أقل طموحًا من تغيير النظام، كما أن الهجمات المتقطعة على مضيق هرمز أو المنشآت النفطية والخدمية، كفيلة بإحداث تأثير اقتصادي ونفسي كبير على الولايات المتحدة وحلفائها، وحتى اعتراض 90% من الهجمات الإيرانية قد يترك 10% متبقية، وهي كافية لتغيير موازين الأسواق الدولية والمناخ السياسي داخل أمريكا.

وترى النخبة المصرية أن الولايات المتحدة تجد نفسها في حرب دون خيارات جيدة، حيث إن أي مسار عسكري مباشر أو غير مباشر محفوف بالمخاطر، والتصعيد قد يؤدي إلى فوضى مستمرة، بينما الانسحاب الكامل يترك إيران مسيطرة وقادرة على تهديد مصالح واشنطن.

وفي ضوء ذلك كله يبدو أن الخيار الأكثر منطقية هو وقف المزيد من التصعيد، وإعادة تقييم إستراتيجية الحرب، مع محاولة الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، والاقتصاد العالمي، قبل أن يتحول صراع محدود إلى مستنقع طويل الأمد يصعب الخروج منه.

وهذا بالضبط ما تخشاه مصر، وتحذر منه، وتحاول منعه.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة