24-3-2026 | 16:57

فلنستأذن أولًا من أهل الحكمة أصحاب مقولة إن لكل مقام مقالًا، فالمقام شغله أهل الشر والدمار في أنحاء البسيطة، وطغت أخبار المسيرات والقاذفات والصواريخ طويلة المدى على الشاشات عما عداها من أخبار، المقام مقام عملات تهوي وناقلات تتوقف وبراميل ترتفع ومعادن تروح جيئة وذهابًا، المقام مقام خوف لا اطمئنان وقلق يعصف بالاستقرار الهش الذي تقف عليه المنطقة، المقام مقام دخان كثيف يحجب الرؤية وتختلط فيه الحقائق بالأوهام وادعاءات النصر والهزيمة المتبادلة بين الأطراف المتحاربة..

هذا هو المقام باختصار لكن المقال سيذهب بعيدًا عن مناطق التوتر إلى ضفاف نهر النيل الممتد على أرض المحروسة عبر شبكة ضخمة من الترع والمصارف تتجاوز الخمسين ألف كيلو متر، التاريخ بالتحديد هو في نهاية الربع الأول من القرن التاسع عشر، حيث الوالي محمد علي باشا جالس على عرشه في قصره الجديد الذي انتهى للتو من بنائه الذي استغرق ثلاثة عشر عامًا واختار له موقعًا متميزًا على ضفاف النهر في منطقة شبرا دمنتو (شبرا الخيمة حاليًا)، هو اختيار يناسب الحالة النفسية للوالي بعد أن استتب له الحكم وقضى على مناوئيه وأصبح متاحًا له أن يترك القلعة -مقر الحكم الرسمي- لأخذ قسط من الراحة بجوار نهر النيل.

تأتي وفود المهنئين للوالي بقصره الجديد ويستقبلهم بود وترحاب، ثم يدخل أحد الضيوف الأجانب وهو يصطحب معه علبة صغيرة هدية للباشا بهذه المناسبة السعيدة، فتح الضيف العلبة وأخرج منها نباتًا صغير الحجم له زهرة بنفسجية رائعة وأوراق خضراء لامعة.

تلقى الباشا الهدية شاكرًا وأمر بزراعتها بجوار جسر نهر النيل أمام القصر. ومنذ ذلك التاريخ بدأت رحلة طويلة من المتاعب التي واجهتها مصر للتعامل مع ذلك النبات صاحب الزهرة الناعمة المخادعة والقلب القاسي الشرس مصاص المياه..

ورد النيل يقع تحت تصنيف النباتات الغازية. جسم إسفنجي 95% من وزنه مياهًا. ينمو بسرعة في البيئات المائية مثل البحيرات والأنهار والمستنقعات. يتميز بقدرة هائلة على التكاثر والانتشار، ويمكنه أن يمتد كسجادة سميكة تغطي كامل سطح المياه في وقت قصير، مما يؤدي إلى منع دخول أشعة الشمس إلى المياه، ويقلل من مستوى الأوكسجين، ويؤثر سلبًا على الحياة البحرية وإعاقة حركة القوارب وصيد الأسماك، فيؤدي إلى نفوق الأسماك والكائنات الحية، وهو يكون بيئة خصبة لنمو الحشرات مثل البعوض وتتزايد خلاله فرص نمو قواقع البلهارسيا. والأخطر من ذلك أن معدلات فقد المياه بالبخر في حالة وجوده تزيد بثلاثة أضعاف عما لو كان المجرى المائي مكشوفًا..

باختصار هو قنبلة تمت زراعتها بحسن نية على ضفاف نيلنا السعيد.. خطأ لم يقصده الوالي العظيم بالتأكيد، لكننا نسدد ثمن هذا الخطأ غير المقصود في صورة عدة مئات الملايين من الجنيهات لزوم التطهير السنوي (1.5 مليار جنيه في العام الواحد) للأماكن الموبوءة بورد النيل، نزع للنبات عن طريق كراكات، ثم إلقاء الناتج على جسر المجرى المائي وتركه للشمس تفرغ محتواه بالبخر، تلك هي الطريقة التقليدية في التعامل مع ورد النيل..

هناك دول سبقت في التعامل مع ورد النيل بأساليب متطورة لا تقتصر على الإزالة وفقط، الهند نجحت في استخدامه في صناعة الورق وإنتاج الغاز الحيوي، الصين تستخدمه كأعلاف للحيوانات بعد معالجته، إندونيسيا أقامت عدة مصانع لمشغولات يدوية من ورد النيل..

في عام 2024 أطلقت وزارة الموارد المائية والري مبادرة جديدة للتعامل مع ورد النيل، تعتمد على تحويل المحنة إلى منحة، وخلق فرصة من التحدي الكبير الذي يشكله النبات على الموارد المائية المحدودة في مصر، تلك المبادرة تقوم على تحويل ورد النيل إلى منتجات ومشغولات يدوية تقوم بها السيدات المعيلات عبر تنظيم دورات تدريبية لهن، من خلال المركز الإقليمي للتدريب التابع للوزارة. تهدف الدورات إلى تعليم المزارعات وروابط مستخدمي المياه ونساء المجتمع المدني هذه المهارات، لتحقيق عدة أهداف بضربة واحدة: تعزيز فرص تمكين المرأة وتوفير فرص تدر لأصحابها عائدًا اقتصاديًا جيدًا، وتم عقد 24 دورة تدريبية في أماكن متعددة بمدن مختلفة (كفر الشيخ – المنصورة - السويس - دمياط - دمنهور - إسنا) استفاد منها 688 متدربة حتى الآن.

تحويل ورد النيل إلى مشغولات يدوية هو أحد الحلول المبتكرة للاستفادة من هذا النبات في تعزيز الاقتصاد المحلي والمساهمة في الحفاظ على البيئة. يتم جمع ورد النيل من المجاري المائية ومعالجته لصناعة مجموعة متنوعة من المنتجات الحرفية التي تتميز بجمالها مثل الشنط واللوحات الفنية وغيرها من المنتجات..

ستكون مبالغة لو قلنا إننا نجحنا في حل مشكلة ورد النيل، فمازلنا في إطار مبادرة أطلقتها وزارة الموارد المائية والري لكنها تحتاج دعمًا وتكاملًا مع مجهودات مماثلة من مجتمع الصناعة. رجال أعمال يبادرون بإقامة مصانع لمعالجة ورد النيل، نحتاج مجهودًا لتشجيع السيدات على تسويق منتجاتهن حتى يتوافر عائد اقتصادي يساعدهن على الاستمرار. 

وهنا يحضرني ما قالته إحدى المتدربات التي انطلقت في تصنيع تلك المشغولات اليدوية في معرض شرحها عن سبب توجهها لتلك الحرفة الجديدة عليها..

قالت السيدة: "مش عاوزه أتحوج لحد.." لخصت السيدة في أربع كلمات هدفًا ساميًا تضع له الدول خططًا وإستراتيجيات، وحلمًا داعب على الدوام أحلام الفلاسفة والمفكرين منذ قديم الزمان..

* خبير موارد مائية

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة