24-3-2026 | 13:49

في كل مرة تشتعل فيها بؤرة توتر في الشرق الأوسط، ينصرف النظر -على نحو طبيعي- إلى خرائط العمليات العسكرية، وتحركات الجيوش، والخسائر المادية والبشرية، غير أن ما يجري تحت هذا السطح الصاخب لا يقل خطورة: تحولات عميقة في بنية الاقتصاد، وفي سلوك الأسواق، وفي ميزان العدالة داخل المجتمعات. 

فالحرب لا تقتصر آثارها على الدمار المباشر، بل تمتد لتعيد تشكيل ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الأزمات»، حيث تتجاور المعاناة العامة مع فرص خاصة تتسع كلما اشتدت الاضطرابات.

في هذا السياق، تتبدل قواعد السوق، ولم يعد العرض والطلب وحدهما المحددين للأسعار، بل يدخل عامل ثالث أكثر تأثيرًا: التوقع. توقع الندرة، وتوقع الانقطاع، وتوقع الأسوأ. وهنا، تتحرك الأسواق وفق منطق الخوف، فتتصاعد الأسعار بوتيرة تتجاوز أحيانًا مبرراتها الموضوعية، وتظهر ممارسات الاحتكار باعتبارها استجابة -أو ذريعة- لظروف استثنائية، وبين هذا وذاك، يضيع الحد الفاصل بين التكيف المشروع مع الأزمة، والاستغلال غير المبرر لها.

الاستغلال والضبط الاقتصادي

غير أن اختزال هذه الظاهرة في «جشع التجار» وحده قد يفتقر إلى الدقة. فالمسألة، في جوهرها، تعكس خللًا بنيويًا أعمق. فعندما تنشغل الدول بأولوياتها الأمنية والعسكرية، تتراجع قدرتها على الضبط الاقتصادي، وتضعف أدوات الرقابة، فتتشكل تدريجيًا بيئة تسمح بتمدد ممارسات لا يمكن أن تزدهر في ظروف الاستقرار. 

وهكذا، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتصبح الأزمة مجالًا مفتوحًا لإعادة توزيع الثروة، ولكن على نحو غير عادل، وعند هذه النقطة، يتداخل الاقتصاد بالسياسة على نحو يصعب فصله؛ فالحروب لا تعيد رسم خرائط النفوذ بين الدول فحسب، بل داخل الدولة الواحدة أيضًا. وتبرز فئات قادرة -بحكم قربها من دوائر القرار أو امتلاكها للمعلومة- على قراءة اتجاهات السياسات قبل غيرها، أو حتى التأثير فيها، وهنا لا يكون الفساد دائمًا في صورته الصريحة، بل قد يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا، أبرزها تضارب المصالح، حيث تتحول القرارات العامة إلى فرص خاصة.

الرابحون الكبار: الصناعات الدفاعية

تتضح هذه الصورة بشكل أكثر جلاءً عندما ننتقل إلى مستوى آخر من التحليل، يتعلق بالصناعات الإستراتيجية، وعلى رأسها الصناعات الدفاعية؛ فالتاريخ الحديث يشير إلى أن الحروب لا تُدار فقط في ميادين القتال، بل أيضًا في دوائر الاقتصاد العالمي، ومع تصاعد التوترات، تتدفق الاستثمارات نحو هذا القطاع، مدفوعة بتوقعات زيادة الإنفاق العسكري، فتسجل شركات السلاح معدلات نمو لافتة، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية على قطاعات واسعة من السكان.

ولا تبدو هذه المفارقة عابرة. فوفق تقديرات دولية، يقترب الإنفاق العسكري العالمي من ثلاثة تريليونات دولار، في مؤشر واضح على أن العالم -رغم كل الحديث عن التنمية والاستدامة- لا يزال ينفق بسخاء على أدوات الصراع. 

وبينما تحقق الصناعات الدفاعية أرباحًا متنامية، يواجه المواطن العادي واقعًا مختلفًا تمامًا: تضخم متسارع، وارتفاع في تكاليف المعيشة، وتراجع في القدرة الشرائية، بما يعكس فجوة آخذة في الاتساع بين من يملكون أدوات الاستفادة من الأزمة، ومن يتحملون كلفتها.

وفي قلب هذه المعادلة، تتعرض فكرة العدالة الاجتماعية لاختبار حقيقي؛ فكلما طال أمد الأزمات، اتسعت الفجوة بين الطبقات، وتآكلت الثقة في الأسواق وفي المؤسسات على حد سواء، وعندما تهتز هذه الثقة، يصبح التعافي -حتى بعد توقف العمليات العسكرية- أكثر صعوبة، لأن الأثر الأعمق للحرب لا يكون دائمًا فيما تدمره، بل فيما تتركه من اختلالات كامنة.

إدارة الأزمات.. الرقابة والرؤية

من هنا، تبرز أهمية إعادة النظر في كيفية إدارة الاقتصاد في أوقات الأزمات. فالدول ليست فقط معنية بإدارة الصراع، بل أيضًا بإدارة تداعياته الداخلية، ويتطلب ذلك مزيجًا من السياسات: رقابة فعالة على الأسواق، وتفعيل حقيقي لقوانين حماية المنافسة ومنع الاحتكار، وتعزيز الشفافية في اتخاذ القرار، بما يقلل من فرص استغلال النفوذ وتضارب المصالح.

غير أن هذه الإجراءات، على أهميتها، تظل محدودة الأثر إذا لم تُستكمل برؤية أوسع، تدرك أن الاستقرار الاقتصادي لا يمكن فصله عن الاستقرار السياسي، فكلما استمرت بؤر التوتر، بقيت الاقتصادات عرضة للاهتزاز، وظلت المجتمعات أسيرة دوائر متكررة من الأزمات. 

ومن ثم، فإن البحث عن حلول سلمية للنزاعات لا يمثل فقط ضرورة سياسية، بل شرط اقتصادي أيضًا.

في النهاية، تكشف الحروب عن حقيقة قديمة متجددة: أنها لا تصنع الجشع، لكنها تهيئ له المناخ. وبينما تنشغل الدول بإدارة صراعاتها على الجبهات، يبقى التحدي الأعمق في إدارة ما يجري خلف هذه الجبهات، حيث تتشكل ملامح ما بعد الحرب، هناك في الأسواق وفي المؤسسات الحكومية، يتحدد ما إذا كانت المجتمعات ستخرج من أزماتها أكثر تماسكًا وعدالة… أم أكثر هشاشة واستعدادًا لأزمات جديدة.

للتواصل:  [email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة