لم يكد يمر أسبوع واحد على إعلان عملاق التكنولوجيا الأخضر "إنفيديا" عن الجيل الخامس من تقنيتها الشهيرة لتطوير الصور والذكاء الاصطناعي (DLSS 5)، حتى وجدت الشركة نفسها وسط عاصفة من الانتقادات التي لم تهدأ بعد. فبدلاً من الاحتفاء بما وصفه المدير التنفيذي للشركة، جينسن هوانغ، بأنه "أكبر قفزة في تاريخ جرافيك الكمبيوتر"، تحولت منصات التواصل الاجتماعي وقنوات "يوتيوب" إلى ساحات للهجوم الساخر واللاذع، حيث اعتبر الكثير من الخبراء واللاعبين أن التقنية الجديدة تجاوزت حدود "تحسين الأداء" لتصل إلى مرحلة "تشويه" الهوية البصرية للألعاب وإعادة رسم ملامح الشخصيات بشكل لا صلة له بالرؤية الأصلية للمصممين، وفقا لـ darkhorizons
موضوعات مقترحة
وتعود جذور الأزمة إلى العروض التجريبية التي قدمتها "إنفيديا" لألعاب مرتقبة مثل "Resident Evil Requiem" و"Starfield"، حيث أظهرت التقنية الجديدة قدرة فائقة — ومثيرة للريبة في آن واحد — على استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لإعادة بناء الوجوه والإضاءة والخامات بالكامل. وقد لاحظ المتابعون أن ملامح بطلة "Resident Evil"، غريس أشكروفت، قد تغيرت بشكل جذري لتبدو وكأنها خضعت لـ "فلتر تجميل" من تطبيقات التواصل الاجتماعي؛ حيث أصبحت البشرة ناعمة لدرجة غير طبيعية، واختفت التفاصيل الدقيقة والندوب التي تعبر عن طبيعة اللعبة المرعبة، مما أدى لظهور مصطلح "AI Slop" أو "نفايات الذكاء الاصطناعي" لوصف الصور الناتجة التي تفتقر للروح الفنية وتصيب المشاهد بحالة من "الوادي غير المستحب" (Uncanny Valley) بسبب مظهرها الزائف.
ولم يتوقف الأمر عند استياء الجمهور، بل امتد ليشمل مجتمع مطوري الألعاب الذين عبروا عن صدمتهم من الطريقة التي تتعامل بها "إنفيديا" مع فنهم. ففي الوقت الذي يقضي فيه الفنانون والمصممون آلاف الساعات في ضبط تفاصيل الإضاءة وتعبيرات الوجوه بدقة متناهية لنقل إحساس معين، تأتي تقنية DLSS 5 لتمحو كل هذه الجهود بضغطة زر، مستبدلة إياها بتصور "آلي" لما يجب أن تكون عليه الصورة. وقد نقلت تقارير صحفية عن مطورين في استوديوهات كبرى قولهم إن هذه التقنية تبدو وكأنها "إهانة" لعملهم، لأنها تسلبهم السيطرة الفنية على منتجهم النهائي، وتعطي الأولوية لـ "النعومة البصرية" الزائدة على حساب التوجه الفني والدرامي للعبة.
وفي رد فعل اتسم بالتحدي، خرج جينسن هوانغ، المدير التنفيذي لـ "إنفيديا"، ليدافع بشراسة عن ابتكار شركته الجديد، واصفاً منتقدي التقنية بأنهم "على خطأ تماماً". وأوضح هوانغ في تصريحاته أن DLSS 5 ليس مجرد "فلتر" يُطبق فوق الصورة النهائية، بل هو نظام معقد يدمج بين التحكم في هندسة الأجسام (Geometry) وبين قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي. وأكد أن المطورين سيكون لديهم "السيطرة الكاملة" لتعديل مدى تأثير التقنية وضبطها لتناسب أسلوبهم الفني، مشبهاً حالة التشكيك الحالية بما حدث عند إطلاق تقنية "تتبع الأشعة" (Ray Tracing) في عام 2018، والتي قوبلت بالسخرية في بدايتها قبل أن تصبح المعيار الذهبي للصناعة اليوم.
ورغم هذه الدفاعات، تظل الأرقام تعكس واقعاً مغايراً؛ إذ حصد الفيديو الرسمي للإعلان عن التقنية نسبة "عدم إعجاب" (Dislikes) تجاوزت 84% على منصة يوتيوب، وهو ما يعكس فجوة عميقة في الثقة بين الشركة وجمهورها الوفي. ومع اقتراب موعد الإطلاق الرسمي المقرر في خريف عام 2026، يبدو أن "إنفيديا" ستواجه شتاءً طويلاً من الاختبارات، ليس فقط لإثبات كفاءة التقنية من الناحية البرمجية، بل لإقناع العالم بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون خادماً للفن وليس بديلاً عنه، خاصة وأن العروض الحالية تطلبت تشغيل بطاقتي "RTX 5090" معاً، مما يثير تساؤلات إضافية حول التكلفة الباهظة مقابل جودة بصرية لا تزال محل جدل واسع.