كل شيء هالك إلا وجهه.. فاعتبروا

25-3-2026 | 12:28

إن منهج الاعتبار الذي دعانا إليه الله تعالى في كتابه العزيز في غير موضع من القرآن الكريم، هو خير دليل على أننا ينبغي علينا ألا نترك آيات القرآن تمر علينا مرور الكرام دونما أن نتدبر معانيها ومبانيها ومفاداتها؛ فكل آية من آياته لم يأتِ بها الله تعالى عبثًا، وإنما تأتي موافقة لواقعنا المعيش الذي نحياه، وصالحة لكل زمان ومكان؛ مما يدحض فرية أنه نزل لزمان معين ومكان معين، فالقرآن الكريم كتاب الله الذي أنزله بعلمه، ومن ثم فهو كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

بل أنزله الله تعالى لتنتظم به حياتنا، فهو بمثابة دستور شرعه شديد القوى، الله تعالى؛ فثمة نوعان من القوانين: القوانين الوضعية المكتوبة التي شرعها البشر لحفظ الحقوق، والقوانين الإلهية التي يسير بموجبها الكون جميعًا لا يحيد ولا يميد عنها. ومن هذا المنطلق فينبغي علينا ألا ندع هذه الآيات البينات تمر علينا ونحن ننظر إليها نظر المغشي عليه، وإنما ضرورة ملحة أن نتدبر معانيه، وأن نعرض آياته على عقولنا حتى تتفهمها، ثم نعرضها على قلوبنا حتى تطمئن وتهدأ.

ومن آيات الله المحكمات قوله تعالى في سورة القصص: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۘ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (الآية 88). انظروا واعتبروا وتأملوا هذا القول الفصل؛ آية محكمة أي لا تقبل جدلًا ولا مراءً ولا شكًا ولا تأويلًا، وإنما من الممكن الاجتهاد حول تفسيرها، وإن كانت واضحة الدلالة والمعنى، ليس هذا وحسب، بل وبلاغتها فاقت بلاغة البلغاء.

فليس ثمة دعوة أخرى إلا دعوة الله تعالى، فليس ثمة إله إلا الله، وهذا قول فصل قاطع قطع الشك باليقين ضاربًا عرض الحائط بكل المعتقدات التي سبقت الإسلام والتي أتت بعده في واقعنا المعاصر؛ فلا عبادة أصنام، ولا عبادة أشجار، ولا عبادة الدهر، ولا عبادة الشمس ولا القمر ولا النار، ولا صابئة وخلافه، ولا هندوسية ولا إبراهيمية، ولا غيرها من الأسماء؛ مصداقًا لقوله تعالى: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه}، ومصداقًا لقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}، وقوله: {قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون}. فالدعوة لا تكون إلا لله تعالى: {قل إنما أدعو ربي على بصيرة أنا ومن اتبعني}، {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا}، وقوله جل وعلا: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن}.

ثم نأتي إلى الجزء الثاني من الآية الكريمة: {كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون}؛ معانٍ تحمل ما تحمله من العبرات والعظات التي ينبغي أن يتوقف عندها العقل والقلب والفؤاد والروح؛ فالله تعالى هو الحكم العدل، الذي حكم على الجميع بالفناء، فكل محدث مخلوق فانٍ سينتهي، كل حي سيموت ولن يبقى إلا الحي الذي لا يموت؛ فالله كتب على جميع مخلوقاته الفناء متفردًا بذاته بالبقاء، وهذا دليل دامغ على هيمنته سبحانه وتعالى على كل شيء، وأنه بيده كل شيء وفي يديه مقاليد كل شيء، وعالم بكل شيء ولا يعزب عن علمه أي شيء، فلا شاردة أو واردة لا يعلمها: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}.

ثم دققوا النظر في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه}؛ فكل شيء سيفنى ولن يبقى إلا وجهه تعالى، ووجه الله تعالى تعبير مجازي حتى لا تشطح الأذهان في حقيقة الوجه؛ فلا أحد يعلم حقيقة الوجه واليد والسمع والبصر وإنما هي أمثلة لتقريب الفهم للأذهان، لكن كل ما يخطر ببالنا وسيخطر على بالنا فالله تعالى خلاف ذلك، وأن مثل هذه الأمور مسلمات لا ينبغي الخوض فيها، ومن ثم وجب أن ندع ما يريبنا إلى ما لا يريبنا ونسلم تسليمًا. وتأكيدًا لما سبق في حقيقة هلاك كل ما في الوجود قوله تعالى: {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}.

وإذا ما تعقلنا المسألة برمتها، وعلمنا أن الدنيا فوات وأننا لن نعمر فيها ولن نخلد، وأن مآلنا إليه تعالى: {إن إلى ربك الرجعى}، {وأن إلى ربك المنتهى}، فعلامَ الاحتراب؟ وعلامَ الاقتتال؟ ولماذا كل هذه الموبقات المهلكات؟ ولماذا الأنانية المفرطة؟ ولماذا التدني القيمي والأخلاقي؟ ولماذا كل هذه الأزمات التي نسببها لبعضنا البعض؟ ولماذا أصبح الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان؟

هل لأجل المال، الجاه، السلطان، المنصب؟ كل ذلك أعراض زائلة ستنتهي، وأنه لن يبقى لنا إلا عملنا: {كل نفس بما كسبت رهينة}، {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}؛ فلن تدخل كل هذه الأعراض الدنيوية معنا قبورنا، وإنما جميعنا سيترك كل هذه الأشياء، ولن يبقى لنا من الدنيا إلا الأثر والسمعة الطيبة التي سنتركها. نعم كل شيء هالك إلا وجهه، وهالك هنا تعبير في منتهى القوة، وفي منتهى الخطورة، ودليل دامغ على أن الهلاك معناه الفناء التام الذي لا رجعة فيه إلا بأمر الله تعالى. {فاعتبروا يا أولي الألباب}؛ يا أصحاب العقول التي تفكر، فهل اعتبرنا؟

أستاذ الفلسفة بآداب العاصمة

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: