في الشرق الأوسط، لا تقع الأحداث عادة في أماكنها فقط، بل تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الجغرافيا المباشرة، حتى تكاد تُعيد رسم خرائط التجارة والقرار والاستثمار في العالم كله.
وما يجري اليوم في منطقة الخليج العربي، نتيجة تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فكل توتر هناك لا يظل حبيس لحظته، بل ينتقل أثره سريعًا إلى موانئ بعيدة، وممرات بحرية، ومراكز إنتاج، وأروقة شركات تحسب خطواتها بدقة، لأن العالم الحديث لم يعد يحتمل "المفاجآت الطويلة".
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق فقط بما إذا كانت المنطقة ستشهد نهاية للحرب قريبًا، بل بما إذا كانت الشركات العالمية، وقد أخذها القلق من هشاشة الطرق التقليدية، ستبدأ في البحث عن "نقطة ارتكاع" جديدة.
فاليوم، ومع تصاعد المخاطر حول مضيق هرمز وتزايد الهواجس المرتبطة بأمن الملاحة في الخليج العربي، بدأت الشركات الكبرى، لا سيما الآسيوية منها، تنظر إلى الخريطة بعين مختلفة؛ فالمسألة لم تعد مجرد البحث عن أقل كلفة، بل عن أعلى قدر من اليقين في زمن تتآكل فيه اليقينات الواحدة تلو الأخرى. وهنا بالذات تكتسب منطقة قناة السويس الاقتصادية معناها الجديد؛ فهي لم تعد مجرد امتداد عمراني أو لوجستي على ضفاف الممر، بل أصبحت قابلة لأن تُفهم باعتبارها بيئة يمكن أن تستقر فيها المصانع، وتتمركز فيها سلاسل التوريد، وتُبنى حولها خيارات بديلة أقل عرضة للاهتزاز.
غير أن هذا التحول، إذا كان ممكنًا، فهو ليس تلقائيًا، ولا تحسمه الجغرافيا وحدها مهما كان موقعها متميزًا. فالتاريخ يعلمنا أن المواقع الكبيرة لا تُترجم دائمًا إلى أدوار كبيرة، وأن الفرص الجغرافية قد تضيع إذا لم تجد الدولة التي تحتضنها، والقدرة على تحويلها إلى نظام عمل كامل.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي بالنسبة لمصر، في الوقت الراهن، هو: هل تستطيع القاهرة أن تبني حول هذه المنطقة منظومة من القوانين والضمانات والبنية التحتية والمرونة المؤسسية؛ بحيث يشعر المستثمر أن ما يأتي إليه اليوم سيبقى صالحًا غدًا وبعد غد؟ فالشركات العالمية لا تُقنعها الخريطة وحدها، وإنما تقنعها القواعد التي تعمل داخل الخريطة، والسرعة التي تتحرك بها الإجراءات، واستقرار السياسة الاقتصادية، وإمكانية التنبؤ بما ستفعله الدولة عندما تتغير الظروف.
ومن هنا تبرز أهمية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، باعتبارها "اختبارًا" لقدرة الدولة على أن تنقل الفكرة من مستوى "المشروع" إلى مستوى "النظام". فإذا تمكنت هذه المنطقة من توفير بيئة تشغيل مستقرة، وربط الموانئ بالمصانع، وربط المصانع بالأسواق، وربط الأسواق بممر آمن إلى آسيا وأوروبا، فإنها سوف تصبح، على الأرجح، عنصرًا محوريًا في إعادة توزيع الإنتاج العالمي نفسه.
أما إذا بقيت هذه المنطقة "فكرة جميلة على الورق"، فإن العالم، الذي لا ينتظر طويلًا، سيمضي، في الغالب، إلى بدائل أخرى أكثر اكتمالًا في التنفيذ، وإن كانت أقل تميزًا في الموقع. ولهذا فإن المنافسة ليست مع الجغرافيا فقط، بل مع نماذج إقليمية أخرى استطاعت أن تُحوّل الموانئ إلى مناطق جذب، والمناطق الحرة إلى مراكز قرار اقتصادي، كما هو الحال في بعض التجارب الخليجية والمغاربية التي أدركت مبكرًا أن الاستثمار لا يُستدرج بالإعلانات فقط بل بالثقة والأمان.
ثم إن المسألة لا تتعلق بالبنية المادية وحدها، مهما كانت أهميتها، لأن الاقتصاد العالمي الحديث لا يقوم على الأسمنت والرافعات فقط، بل على الإنسان الذي يدير كل ذلك. فالشركات العالمية التي تفكر في إقامة قواعد إنتاج أو مراكز لوجستية أو مخازن إستراتيجية لا تسأل فقط عن الأرض والميناء والطريق، بل تسأل أيضًا عن العامل الذي سيشغل الآلة، والفني الذي سيصونها، والإداري الذي يفهم إيقاعها، والمؤسسة التي تستطيع أن تدرب وتؤهل وتستوعب تكنولوجيا تتغير بسرعة هائلة. وبالتالي، إذا أرادت مصر أن تجعل من قناة السويس ملاذًا حقيقيًا للشركات العالمية الهاربة من "نيران الخليج"، فعليها أن تنظر إلى العنصر البشري باعتباره جزءًا من البنية التحتية نفسها، لا ملحقًا بها.
وفي الخلفية، يظل الأمن هو العنصر الذي لا يمكن تجاهله؛ لأن كل حديث عن الاستثمار في زمن الاضطراب يبدأ وينتهي عند سؤال الأمن، لكنه لم يعد الأمن بالمعنى القديم فقط؛ فالمخاطر اليوم لم تعد تقتصر على الصواريخ أو الحصار أو إغلاق الممرات، بل امتدت إلى الكابلات البحرية، والشبكات الرقمية، والبنية التحتية للطاقة، والنظم التي تحافظ على إيقاع الاقتصاد دون أن يلحظها أحد. وهذا يعني أن حماية منطقة قناة السويس لم تعد مسألة بحرية فقط، بل مسألة أمن شامل، يمتد من الساحل إلى الشبكة، ومن الميناء إلى مركز البيانات، ومن حركة السفن إلى استقرار القرار الاقتصادي.
وفي النهاية، يمكن القول إنه إذا نجحت مصر في تقديم نفسها باعتبارها دولة قادرة على إدارة كل هذا التعقيد، وكلنا ثقة في ذلك بفضل القيادة الحكيمة لفخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، فإن منطقة قناة السويس قد تصبح بالفعل "الملاذ الآمن" للشركات العالمية وسط "نيران الخليج"، لا لأنها بعيدة عن الخطر، بل لأنها الأقرب إلى فكرة الاستقرار في زمن فقد فيه الاستقرار كثيرًا من أماكنه حول العالم المضطرب.
* رئيس وحدة العلاقات الدولية وبرنامج دراسات الطاقة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، وزميل كلية الدفاع الوطني في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية