عصر الجراحة الروبوتية المستقلة

23-3-2026 | 13:31

في غرفة العمليات، يسود صمت ثقيل. الأضواء البيضاء مسلطة على جسد المريض، بينما يقف الفريق الطبي مترقبًا.. هذا هو المشهد الذي اعتدنا رؤيته على مدى عشرات السنين، لكنه هذه المرة مختلف؛ فلا يوجد جراح يمسك بالمشرط، بل أذرع معدنية دقيقة تتحرك فوق طاولة العمليات، تتبع أوامر خوارزميات معقدة. 

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس تقنيًا فقط، بل إنسانيًا أيضًا: هل يمكننا أن نثق بآلة لتجري عملية جراحية داخل أجسادنا؟

خلال العقدين الماضيين، أصبحت الجراحة الروبوتية جزءًا متزايدًا من الطب الحديث؛ فهذه الأنظمة تمنح الجراحين دقة أعلى، وتسمح بإجراء عمليات معقدة عبر فتحات صغيرة، مما يقلل الألم وفقدان الدم ويقلل فترة التعافي لدى المرضى، كما تقول إحصاءات مستشفى مايوكلينك الشهير.

وحتى عام 2023، أُجريت نحو 11 مليون عملية جراحية بمساعدة الروبوتات حول العالم، باستخدام ما يقارب 7500 روبوت جراحي في المستشفيات.

لكن معظم هذه العمليات لا تزال تعتمد على تحكم بشري كامل؛ فالروبوت يعمل كأداة دقيقة بين يدي الجراح. الجديد اليوم هو ظهور جيل مختلف من الروبوتات الجراحية شبه المستقلة أو المستقلة.

أحد أبرز الأمثلة هو روبوت يُعرف باسم STAR طوّره باحثون في جامعة جونز هوبكنز. في تجربة علمية نُشرت في مجلة "علوم الروبوت"، تمكن هذا الروبوت من إجراء خطوة معقدة في جراحة الأمعاء؛ وهي إعادة وصل طرفي الأمعاء" على أنسجة حيوانية دون تدخل مباشر من الجراح. واللافت أن النتائج أظهرت دقة أعلى من أداء الجراحين البشر في التجربة نفسها. 

وفي تطور أحدث، وفق تقرير نشرته صحيفة الجارديان، نجح روبوت جراحي يعتمد على الذكاء الاصطناعي في تنفيذ عملية استئصال مرارة كاملة على نموذج يحاكي جسم الإنسان بنسبة نجاح بلغت 100% في ثماني تجارب، بعد تدريبه على مقاطع فيديو لعمليات جراحية حقيقية.

هذه الإنجازات العلمية تفتح الباب أمام مستقبل قد تُجرى فيه العمليات الجراحية بقدر أكبر من الأتمتة؛ فالحواسيب لا تتعب، ولا ترتجف أيديها، ويمكنها تحليل الصور الطبية بدقة كبيرة في أجزاء من الثانية. 

من الناحية النظرية، قد يعني ذلك تقليل الأخطاء الطبية ورفع مستوى الدقة الجراحية.لكن الطريق إلى "الجراحة الذاتية بالكامل"، كما يصفه أحد العلماء، لا يزال طويلًا؛ فالجسم البشري بيئة معقدة وغير متوقعة: نزيف مفاجئ، حركة الأنسجة، أو تغير العلامات الحيوية للمريض. وهذه العوامل تتطلب تصرفًا طبيًا سريعًا وخبرة سريرية عميقة يصعب تحويلها بالكامل إلى خوارزميات. كما يشير باحثون إلى أن ضمان سلامة الأنظمة الجراحية المستقلة، والتحقق من أدائها يمثل أحد أكبر التحديات التقنية والأخلاقية في هذا المجال.

وهنا يظهر البعد الإنساني للقضية؛ فالثقة في الجراح لا تقوم فقط على مهارته التقنية، بل أيضًا على التعاطف والمسئولية الأخلاقية. والأهم من ذلك أن المريض يريد أن يعرف أن هناك إنسانًا مسئولًا عن حياته في تلك اللحظة الحرجة.

لذلك يرى كثير من الخبراء أن مستقبل الجراحة لن يكون روبوتًا بدلا من الجراح، بل تعاون كبير بين الإنسان والآلة، فالروبوت يتولى المهام الدقيقة والمتكررة، بينما يحتفظ الجراح بالقرار النهائي والخبرة السريرية.

خلاصة القول، ربما لن يكون السؤال الحقيقي: هل نثق بالروبوت؟ بل: هو كيف نجعل هذه التكنولوجيا تعمل بأمان تحت إشراف الإنسان، لخدمة حياة الإنسان؟

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة