أستون فيلا يبحث عن أول انتصاراته في الدوري أمام نوتينجهام فورست | إطلاق منصة دولية لمواجهة النفايات البحرية ضمن تحضيرات COP31 في تركيا | رئيس غرفة التجارة والصناعة لمجموعة بريكس: الهدف الأساسي زيادة التجارة بين الدول الأعضاء والاعتماد على العملات المحلية | إصابة في الكاحل تبعد مودريك عن توتنهام أمام إيفرتون | رئيس الوزراء الهندي يشدد خلال لقائه الرئيس الإيراني على أهمية حماية حرية الملاحة والتجارة وضمان سلامة البحارة | الجامعة الأمريكية تتوج بذهبية الاسكواش في دورة الألعاب الإفريقية للجامعات «القاهرة 2026» | مصر للطيران وأيرباص توقعان مذكرة تفاهم لتدريب كوادر صيانة الطائرات| صور | السفير يوسف الشرقاوي: مصر كعضو عامل في تجمع «بريكس» ستقوم بدور مهم في إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي | أجهزة المنيا تتحرك بعد شكوى من أعمال حفر قرب مدافن «السرارية» | حملات مكثفة لإزالة الإشغالات والتعديات وتحسين النظافة في باب الشعرية |

مأزق ترامب.. قراءة في الدوافع والتراجعات والنتائج

23-3-2026 | 12:56

فضحت تراجعات وتناقضات الترامبية الثانية نمطًا كاملًا من التفكير الإستراتيجي القائم على ما يمكن تسميته «وهم الاختصار في تحقيق الانتصار»؛ أي الاعتقاد بإمكانية القفز فوق تعقيدات الواقع عبر ضربة مركزة تُنتج أثرًا سياسيًا فوريًا. هذا الوهم هو الذي حكم منطق الحرب منذ لحظتها الأولى، من خلال تحقيق نتيجة كبرى -إسقاط أو إضعاف جذري للنظام- بأدوات محدودة زمنيًا وميدانيًا.

المعضلة هنا أن هذا النمط من التفكير يتجاهل قانونًا أساسيًا في الصراعات الدولية، أنه كلما كانت الدولة المستهدفة أكثر تماسكًا مؤسسيًا وأشد خبرة في إدارة الأزمات، تحولت الضربة الخارجية من عامل تفكيك إلى عامل إعادة توحيد. هذا ما لم يُحسب بدقة. تم التعامل مع الداخل الإيراني باعتباره ساحة قابلة للاشتعال، بينما هو في الواقع ساحة مُسيطر عليها أمنيًا بقبضة حديدية، ومشبعة بخبرة تاريخية في امتصاص الصدمات.

الرهان الذي تبنّاه كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو لم يكن فقط رهانًا على سلوك الشارع، بل على سرعة انهيار «هيبة الدولة». وهذه نقطة جوهرية، ففي كثير من الحالات، لا يسقط النظام لأن الناس غاضبة، بل يسقط عندما تفقد الدولة قدرتها على فرض الخوف المنظم. ما حدث هو العكس تمامًا؛ حيث نجد أن الضربات عززت منطق القبضة الأمنية، ورفعت تكلفة التمرد إلى مستويات لا يمكن لقطاع واسع من المجتمع تحملها.

الدور الذي لعبه نتنياهو يكشف جانبًا آخر من الأزمة، وهو تسييس التقدير الاستخباراتي لجهازه وللأجهزة الأمريكية. إعادة طرح سيناريو سبق استبعاده تعني أن جهاز التقييم لم يعد يُعمل له اعتبار وفق معايير الاحتمال والواقعية، بل وفق معايير «ما يرغب صانع القرار في حدوثه». هذه لحظة خطرة في أي منظومة حكم؛ حين تتحول الاستخبارات من مرآة للواقع إلى تزييف إنتاجها لمصلحة رواية داعمة للقرار.

الأخطر من ذلك أن هذا التصور لم يُستخدم فقط لتبرير الحرب، بل لإقناع الحليف الأمريكي بجدواها. هنا نحن أمام تداخل بين مستويين؛ مستوى القرار الإسرائيلي الذي كان يبحث عن نافذة حسم تاريخية، ومستوى القرار الأمريكي الذي كان يميل إلى نتائج سريعة بأقل تكلفة سياسية ممكنة. نقطة الالتقاء بين الطرفين كانت هذه الفرضية: «فلنطلق العملية العسكرية والداخل الإيراني سيتكفل بالباقي». وعندما انهارت الفرضية، لم يكن هناك بديل جاهز.

ما تكشفه الوقائع على الأرض بعد أربعة أسابيع من اندلاع الحرب هو أن الدولة الإيرانية لم تدخل في طور الانهيار، بل هي في طور إعادة التموضع. وهذا فارق حاسم. إعادة التموضع تعني امتصاص الضربة الأولى، ثم إعادة توزيع الموارد والقدرات للانتقال من الدفاع إلى الرد. وهو ما يفسر اتساع نطاق العمليات الإيرانية وتزايد قوتها لتشمل أهدافًا متعددة في الإقليم، في محاولة لخلق معادلة ردع جديدة تُعيد ضبط ميزان الصراع.

في المقابل، لم يتحرك الشارع الإيراني بالصيغة التي تم الترويج لها. وهذا لا يعني غياب السخط، بل يعني أن السخط لم يتحول إلى فعل سياسي جماعي، والفرق بين الاثنين كبير. فالسخط حالة نفسية واجتماعية، أما الانتفاضة فهي فعل منظم يحتاج إلى شروط لم تتوافر هنا؛ قيادة، غطاء، فرصة، وتكلفة مقبولة. أي خلل في هذه العناصر يُبقي السخط في حدوده الصامتة. كل المؤشرات كانت تقول إن هذه الشروط غير متوافرة، ومع ذلك تم تجاهلها.

محاولة فتح مسار ميداني عبر الورقة الكردية تعكس بدورها سوء تقدير متعدد الأبعاد. هذا الخيار لم يكن فقط محفوفًا بمخاطر عسكرية، بل كان يحمل تداعيات سياسية تتجاوز حدود إيران، وتنطوي على مخاطر إدخال العراق في دوامة صراع جديد ما بين الداخل من جهة، وما بين تدخل سوري محتمل لردع أي تحرك منظم للحشد الشعبي. إدخال عامل «الهوية القومية» في صراع خارجي يُعيد تعريف الصراع نفسه، ويمنح النظام الإيراني فرصة لتقديم نفسه كحامٍ لوحدة الدولة، وهو خطاب شديد الفاعلية في لحظات التهديد. لذلك لم يكن مستغربًا أن يُقابل هذا المسار برفض إقليمي واضح؛ لأنه ببساطة يفتح بابًا لا يمكن التحكم في مآلاته.

من زاوية أوسع، ما نراه هو تكرار لنمط تاريخي؛ المبالغة في تقدير أثر القوة الصلبة، مقابل التقليل من تعقيدات البنية الداخلية للدول. الضربات الجوية، مهما بلغت دقتها، تظل أداة ضغط، لا أداة تغيير سياسي بذاتها. التغيير يتطلب إما اختراقًا داخليًا حقيقيًا، أو انهيارًا تدريجيًا في مؤسسات الدولة، أو تسوية سياسية مفروضة. أي مسار خارج هذه الثلاثة غالبًا ما ينتهي إلى إطالة أمد الصراع، لا حسمه.

التحول في الخطاب -من التفاؤل بإسقاط سريع إلى الحديث عن «قوة أجنبية سيتم تحريكها على الأرض»- ليس مجرد تعديل تكتيكي، بل اعتراف بأن الرهان الأصلي كان ناقصًا. القوة الجوية يمكن أن تُضعف، تُربك، تُكلف، لكنها لا تملأ الفراغ السياسي الذي يترتب على سقوط نظام، ولا تُنتج بديلًا جاهزًا. ومن دون هذا البديل، يصبح أي حديث عن «تغيير النظام» أقرب إلى الشعار منه إلى الخطة.

في النهاية، ما تكشفه هذه التطورات هو أن الأزمة لم تكن في التنفيذ، بل في نقطة البداية نفسها. تم بناء الحرب على قراءة انتقائية للواقع، وعلى افتراض أن المجتمع سيتصرف وفق ما تريده الخطة، لا وفق ما تفرضه شروطه الداخلية. وعندما اصطدمت الخطة بالواقع، لم تنهَر فقط الفرضية، بل انكشف غياب تصور بديل لإدارة الصراع.

هذا هو جوهر المأزق الحالي، والذي أجمع عليه معظم المحللين في القنوات الإخبارية، والمتمثل في انتقال من وهم الحسم السريع إلى واقع الاستنزاف المفتوح. وفي مثل هذه الحالات، لا تكون المشكلة في كيفية إنهاء الحرب فقط، بل في كيفية الخروج من تبعات قرار بُني من الأساس على تقدير لم يكن صلبًا بما يكفي لتحمل ما فرضه الواقع من متغيرات غير محسوبة.

القادم خطير لو حدثت ضربات أمريكية لمحطات الطاقة الإيرانية.. مرحلة لو حدثت في غضون الساعات المقبلة، فإن السقوط لن يكون للنظام الإيراني، كما كان مخططًا.. وهو أمر لا يخدم إلا نتنياهو وشركاءه من اليمين المتطرف الذين أشعلوها، ولن يطفئوها بسهولة.

كلمات البحث