أزعم أن كل من اقترب من الثقافة اليابانية بإمكانه التغاضي عن بعض الهفوات البروتوكولية، التي صاحبت أول زيارة لرئيسة الحكومة اليابانية، تاكايتشي ساناي، لواشنطن، وما يمكن وصفها بالقمة "الانتحارية!!" مع مستضيفها، دونالد ترامب.
تاكايتشي بدت مواطنة يابانية بنسبة 100%، في معظم تعبيراتها المدهشة، وردود أفعالها العفوية، وهي بصحبة ترامب في البيت الأبيض، وإن كان العالمون ببواطن الأمور، يفهمون جيدًا أن المسألة-برمتها-متفق عليها، وفقًا للكتاب الياباني المغلق!
أكتب بعد أن قرأت خبر مغادرة تاكايتشي سان واشنطن في أمان الله، وبأقل الخسائر الممكنة، في ضوء مراهنات ترددت-قبل المهمة الصعبة وفي الأثناء-بأن نتائج توقيت الزيارة، وسلوك ترامب غير المتوقع مع القادة، إما أن ترفع شعبيتها لعنان السماء، وتثبت أقدامها كأقوى امرأة في التاريخ الياباني، والعالم، وفقًا لوصف مجلة الإيكونيميست البريطانية، أو تهوي بـ "المرأة الحديدية" اليابانية إلى القاع.
"إنها لا تمثل اليابانيين.. بل الـ سي أي إيه"، هكذا كتب صديقٌ إعلاميٌ ياباني على صفحته للتواصل الاجتماعي، ربما وهو يرى تاكايتشي سان وهي ترتمي بعفوية في أحضان الرئيس الأمريكي، المثير للجدل، على غير عادة وتقاليد التحية في الثقافة اليابانية. وكتب زميلٌ آخر مقيم بطوكيو: "ترامب شخصيًا لم يقل ذلك عن نفسه!"، عند وصفها لترامب بـ "أنه الشخص الوحيد القادر على تحقيق السلام في العالم"!
الأمر الأكثر إثارة على هامش قمة تاكايتشي-ترامب، هو إصرار "دونالد"-حسب تبسط "ساناي" معه في مخاطبته أثناء التعرض للعدوان الأمريكي ضد إيران-على نكء جراح الماضي الاستعماري الياباني، وربطها بهجوم اليابان على بيرل هاربر عام 1941. عندها، اتسعت عيناها، للحظة تعبيرًا عن الدهشة، وتجاهلت التعقيب.
كانت السيدة تاكايتشي قد حققت بداية إيجابية في بناء علاقات شخصية وثيقة مع ترامب خلال أول لقاء مباشر فيما بينهما بطوكيو، بعد وقت قصير من بدء منصبها، كأول امرأة تتولى رئاسة مجلس الوزراء باليابان-بجدارة-في شهر أكتوبر الماضي. تعرف تاكايتشي بتبنيها مواقف متشددة في مجالي الدبلوماسية والأمن، على غرار مواقف معلمها وملهمها، رئيس مجلس الوزراء الياباني الراحل، آبي شينزو، الذي أقام علاقة شخصية وثيقة مع ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى 2017-2021، لكن مع الفارق، لأن تاكايتشي تتحرك في بيئة أكثر توترًا (إيران-الصين-سلاسل الإمداد)، وبالتالي، هامش المناورة لديها أضيق مما كان عليه الحال في حقبة آبي.
ترامب كان قد عبر عن دعمه لتاكايتشي قبل انتخابات برلمانية جرت في فبراير الماضي، وحقق فيها الحزب الليبرالي-الذي تقوده تاكايتشي-فوزًا ساحقًا، وإن كانت شعبية الحكومة تتعرض للاختبار في ضوء أثر حرب إيران على الأسعار باليابان. بفضل هذا الفوز الساحق بالبرلمان، باتت تاكايتشي محط أنظار العالم، ومن المتوقع أن تشهد اليابان تغيرات أمنية وسياسية واسعة خلال العام الحالي 2026، وتحتاج لمزيد من الدعم من ترامب، مثل: تخفيف القيود المفروضة على تصدير المعدات الدفاعية، تحديث الوثائق الاستراتيجية الثلاثة الرئيسية قبل الموعد المقرر، تعديل تشريع الأمن الاقتصادي الصادر في 2022، زيادة ميزانية الدفاع، وتشكيل لجان للنظر في فرض ضوابط أشد على أنشطة الرعايا الأجانب، وفي شرائهم للأراضي.
عمومًا ووفقًا للتغطيات الإعلامية اللاحقة، تناولت القمة اليابانية-الأمريكية في البيت الأبيض الخميس الماضي طيفًا واسعًا من القضايا الثنائية والدولية، في مقدمتها: إيران، الصين، الأمن الاقتصادي، والاستثمار في الصناعات الأمريكية. فيما يتعلق بإيران، نقلت تاكايتشي لمضيفها وجهة نظر اليابان، وشددت على أن احتمال امتلاك إيران أسلحة نووية أمر غير مقبول. في الوقت نفسه، طالبت بضرورة الوقف السريع للتصعيد في منطقة الخليج العربي، مؤكدة أن طوكيو تعارض هجمات طهران على الدول المجاورة، وإغلاقها الفعلي لمضيق هرمز.
تعد اليابان رابع أكبر اقتصاد في العالم، كما أنها خامس أكبر مستورد للنفط، وتحصل على حوالي 95 في المائة من إمداداتها من الشرق الأوسط، ويمر 70% من هذه الإمدادات في مضيق هرمز. ورداً على طلب ترامب المساعدة في ضمان سلامة الملاحة بالمضيق، ردت تاكايتشي على الطلب بالإشارة إلى وجود إجراءات يمكن لليابان اتخاذها، وأخرى غير ممكنة في إطار قوانينها المحلية، وهو ما جرى وصفه بـ "الرد الناعم" على المطلب الأمريكي، بدون الإضرار بجوهر التحالف.
في مواجهة ما تراه بتصاعد نفوذ الصين، سعت تاكايتشي إلى تذكير ترامب بأن البيئة الأمنية بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ بالغة التعقيد، تحديدًا بعد نقل أصول عسكرية أمريكية من شمال شرق آسيا إلى منطقة الشرق الأوسط، وأكدت طوكيو أن استمرار الحرب مع إيران لفترة طويلة قد تصب في مصلحة الصين. وفقًا لتقييمات المراقبين، تبدو آفاق العلاقات بين اليابان والصين قاتمة، ولا تظهر أية بوادر للتحسن الملموس في المستقبل القريب، في ضوء ما تظهره بكين من نفور وضيق تجاه التوجهات الفكرية لرئيسة الحكومة اليابانية الحالية، تاكايتشي.
بالنسبة للتعاون الاقتصادي، أكدت القمة اليابانية-الأمريكية أن طوكيو وواشنطن ستعملان على توسيع إنتاج الطاقة بالولايات المتحدة واتفقتا على تعزيز التعاون في التقنيات المتقدمة، بما في ذلك المعادن الحرجة والذكاء الاصطناعي، وأعلنتا عن وثيقة مشتركة تتضمن المزيد من التفاصيل حول اتفاقية تستثمر اليابان بمقتضاها 550 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي، مع الارتقاء بالتحالف لمستويات أعلى.
إجمالاً، وصف مسئولون يابانيون القمة بأنها ناجحة على نطاق واسع، وجرت في حدود ما كانت طوكيو تتوقعه، غير أن المراقبين يرجحون أن تطلب واشنطن مستقبلاً المزيد من القرارات اليابانية بشأن الوضع بإيران، الذي يصعب التنبؤ به.
بقي أن أشير إلى خبر بالغ الطرافة، جرى نشره في طوكيو قبيل التئام القمة اليابانية-الأمريكية في واشنطن، حيث أعلن منظمو جائزة "إيج نوبل" أن حفل توزيع الجوائز لهذا العام سيقام خارج الولايات المتحدة لأول مرة لأسباب أمنية. جائزة "إيج نوبل" هي محاكاة ساخرة لجائزة نوبل الشهيرة، أنشأتها مجلة علمية أمريكية عام 1991، لتكريم الأبحاث التي تجعل الناس يضحكون ثم يفكرون، وفاز بها العديد من المواطنين اليابانيين للعام التاسع عشر على التوالي. فهل يمكن الربط بين نقل حفل توزيع الجوائز لخارج الولايات المتحدة لأول مرة، وتطلعات الرئيس ترامب للفوز بكل ما له صلة بجوائز نوبل، حتى ولو كان اسمها "إيج نوبل"؟!
[email protected]