مَنْ لا يحبُّ الزهراء؟!

22-3-2026 | 13:38

لاشك أن القارئ الجيد لتاريخ مصر الديني والحضاري يدرك بيقينٍ أن مصر كنانة الله في أرضه هي مهبط النبيين وملاذ المرسلين، ومحط الصالحين، ومحل أولياء الله المتقين؛ فهي تحمل في وجدان شعبها تدينًا فطريًا يتجسد في حبٍ عميقٍ متوارثٍ لآل البيت رضوان الله عليهم. 

وأن هذا الحب ليس مجرد عاطفةٍ جوفاء فحسب، بل هو ارتباطٌ تاريخي وروحيٌ  قد تجذر منذ دخولهم إليها وتُوّج هذا الحب بانتشار مساجدهم الطيبة وأضرحتهم المباركة المنتشرة على رحاب أرض مصر وفي شتى ربوعها.

وكما هو معلومٌ فشعب مصر هو شعبٌ متدينٌ بطبعه ويميل إلى الروحانية والصفاء والنقاء، والبعد عن التعقيد والتشدد الديني، فضلاً عما يمتاز به من أنه شعبٌ ذو  حضارةٍ عريقةٍ قد أخبر عنها القرآن الكريم؛  فهو شعبٌ صانعٌ للتاريخ فمن الطبيعي انطلاقًا من تدينه ومدنيته أن يكون هواه مواليًا لآل البيت رضي الله عنهم يلتمس منهم البركات، ويتقرب بحبهم إلى الله تعالى رب البريات.

وفي حب آل البيت قال الإمام الشافعي:
( يا آلَ بَيتِ رَسولِ اللَهِ حُبَّكُمُ* فَرضٌ مِنَ اللَهِ في القُرآنِ أَنزَلَهُ* يَكفيكُمُ مِن عَظيمِ الفَخرِ أَنَّكُمُ* مَن لَم يُصَلِّ عَلَيكُم لا صَلاةَ لَهُ).. إذن فحب المصريين لآل البيت هو حبٌ متبادلٌ ومتجذر وله أصولٌ راسخةٌ وأعمدة ممتدة.

لا يستطيع أحد أن يزايد على حب المصريين لآل البيت لأن أهل مصر أهل مودة لا أهل خصومة، يُجلون آل البيت ولا ينكرون إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، ويوقّرون صحابة رسول الله دون أن يعادوا آل بيته، أهل مصر أشاعرة منزهة في الأصول وشافعية وأحناف في الفروع، يغلب على أهلها التصوف والحب وليسوا أهل كره أو بغض.

أقول ذلك تمهيدًا للضجة التي أحدثتها صيغة دعاء (خطيب صلاة العيد) فضيلة الشيخ الدكتور سيد عبدالباري رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف، والتي اتهمه البعض بسببها بالتشيع بسبب هذه الصيغة والانحياز للشيعة فبعيدًا عن حالة الاختلاف والضجة التي سادت بعد هذه الصيغة، رغم أن صيغة الدعاء هذه، كما قال جمهور العلماء، إنما هي في الأصل صيغةٌ شريفةٌ مباركةٌ في الصلاة والسلام على الحبيب المصطفى "صلى الله عليه وآله وسلم"، وهي صيغةٌ جائزةٌ عند أهل السنة؛ نظرًا لأن هؤلاء الأبرار الأطهار الذين ذكرهم (خطيب العيد) إنما هم في الحقيقة والواقع من آل النبي "صلى الله عليه وسلم"، فمن يكون آله إذا لم تكن فاطمة وعليٌ والحسن والحسين آله؟!

وقد أُمِرنا نحن الموحدين أن تكون الصلاة على النبي "صلى الله عليه وسلم" وعلى آله خير شاهدٍ على صحة صلاتنا، فنقول في تشهد كل صلاة: (اللَّهم صلّ على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم...).. أما صيغة دعاء خطيب العيد فقال فيها: (اللهم بحق فاطمة وأبيها وبَعلِها وبنيها والسِّر المستودع فيها عدد ما أحاط به عِلمُك)..

وتعقيبًا على ذلك، قال فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، إن التوسل جائز شرعًا، بأن يقول: بحق النبي أو بحق الصالحين أن تقضي لي كذا وكذا، وهو يزور الولي، فهذا ليس فيه إشكال، وإنما المشكلة في أن يطلب بشكل مباشر من الولي أو الصالح أن يقضي له حاجته في الدنيا فهذه التي لا نقرها، أما التوسل إلى الله بهذا الولي فهذا جائز شرعًا، وأضاف شيخ الأزهر في حلقة سابقة من برنامجه الرمضاني “الإمام الطيب”، أن النبي كان يقول في حديث: "بحق ممشاي هذا، وبحق السائلين عليك أن تقضي لي حاجتي" فهذا الحديث يثبت بأن الإنسان يتوسل إلى الله بممشاه إلى المسجد.

وتعالوا لنحلل ما قال الرجل بموضوعيةٍ تامةٍ وحياديةٍ لا تعصب فيها ولا مجاملة؛ فمن يكون بَعْل فاطمة؟! إنه زوجها الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين زوّجها إيّاه: (زوجتُكِ سيدًا في الدنيا وسيدًا في الآخرة، لا يحبّه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا مُنافِق)، ومن بنوها؟ إنهم السادة عليهم السلام: الحسن والحُسين وزينب والمُحَسَّن، وقد مات صغيرًا، رضي الله عنهم وأرضاهم.

وأمّا السِّر المستودع فيها فهو الذي  أشار إليه "صلى الله عليه وآله وسلَّم" في حديثه موصيًا زوجاته وصحابته بها حين قال: (إنّ فاطمة بضعة منّي يؤذيها ما يؤذيني) فيما أخرج البخاري وغيره، وأيّ سرّ أعظم من كونها بضعةً منه "صلى الله عليه وآله وسلم"!!

وهو "صلى الله عليه وآله وسلَّم" يقول: (حُسين منّي وأنا من حُسين أحبّ الله من أحبّ حُسينًا)، فمن اقترف حسنة محبّة قرابته.. زاده الله فيها حُسنًا فترى المهيّمين والمتيمين بحبهم في شوقٍ دائمٍ ومعيّةٍ دائمةٍ لا تنقطع.
 
إن من الخطأ الديني والتاريخي أن نُقصر حب آل البيت على طائفة بعينها، بل حب آل البيت هو عند كافة أو أغلب المسلمين، وليس حكرًا على مذهبٍ معينٍ أو أناسٍ مخصوصين، والقائلون بأن هذا الدعاء الذي دعا به الشيخ إنما هو نواةٌ لتأسيسٍ شيعيٍ في الأزهر السني وبالتالي في مصر، نقول لهم أنتم واهمون، فمصر التي حولت الأزهر من منبرٍ شيعيٍ إلى منارة الإسلام السني، لن تكون شيعيةً بالمفهوم العصري، نعم مصر تحب آل بيت النبي "صلى الله عليه وسلم" حبًا خالصًا، كرامة لسيدنا النبي "صلى الله عليه وسلم"، حبًا عقديًا لا انحراف فيه ولا شطط، حبًا لا يجنح أبدًا لسخافة فكر أو ضلال معتقد، فمصر ستظل منارة الإسلام الوسطي المعتدل، وهي بفطرة سُنيتها تلفظ أي شرودٍ أو شططٍ مغالىً فيه؛ سواءً في الاتجاه الشيعي أو الاتجاه الوهابي.

إن هذا الضجة التي أحدثها دعاء الشيخ، الذي أظن أنه أورده تبركًا ومحبةً ليس إلا، دون قصدٍ منه أبدًا لنشر فكر مذهبٍ بعينه، يؤكد لنا بجلاء أن هناك مؤامراتٍ تُحاك ضد مصر في كل اتجاهٍ، سياسيًا كان أو دينيًا أو اجتماعيًا، ولكن مصر العصية الأبية ستظل عظيمةً تتكسر على صخرتها العتية الصلبة أبواق الفتن ومروجو الأكاذيب، ستظل مصر مدركةً فاهمةً واعيةً بوحدة شعبها وحبها لآل البيت، وإن مصر ستبقى كذلك بإذن الله تعالى أبد الآبدين.. وسنظل نقول إن الارتباط الوجداني العميق بين المصريين وآل البيت يتجاوز حدود الزمن والوصف، وهو مصدر قوةٍ ووحدة؛ ولهذا يفشل دائمًا مسعى كل من يروج أن مصر ستكون شيعيةً أو وهابية أو علمانية، وإن اسم فاطمة هو من أكثر الأسماء تداولًا بين المصريين، ومعه زينب ومن الذكور (حسن وحسين وعلي)؛ فكلها أسماء آل البيت  حولها المصريون من اسم شرفي لآل البيت إلى اسم علم، والمصريون هم الشعب الوحيد الذي فعل ذلك، وإنك لا تجد أيضًا، إلا قليلاً من المصريين، من يسمون أبناءهم (معاوية أو يزيد)؛ لأن هذه الأسماء مرتبطةٌ منذ القدم بخصوم آل البيت.

إن هذه ثقافة المصريين، ويجب على الجميع احترامها، ونحن نؤكد دعاء الشيخ حبًا وكرامةً لآل البيت.. 

ونقول: (لآل البيت عزٌ لا يزول.. وفخر لا تحيط به العقول.. كَفَاكُمْ يابنى الزَّهْرَاءَ فَخَرَّا.. إذا مَا قيلَ جِدُّكُمْ الرَّسُولِ.. أبوكم فارس الهيجا علي وأمكم المطهرة البتول..).

حفظ الله مصـر أبد الآبدين، وجعلها أمنًا وأمانًا، كما قال الله تعالى في كتابه المبين: " ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ".

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة