«مولانا» حفار القبور يريد أن يرتاح!

21-3-2026 | 16:42

الحكاية بسيطة.. كالتالي: «جابر» المواطن السوري البسيط يذهب إلى زوج شقيقته الذي يعمل عنصرًا في جهاز أمني مهم - في زمن بشار الأسد- لمعاتبته على ضرب أخته من جديد، فيسخر منه الأخير ويهينه ولا يعير كلامه اهتمامًا.

فجأة؛ في لحظة، يتصاعد داخل «جابر» الشعور بعذاب السنين، ويستحيل العجز غضبًا، فيمسك بمكواة حديدية، ينهال بها فوق رأس صهره ضربًا، الذي يسقط في الحال قتيلًا، لتنطلق بعدها رحلة هروب القاتل، يبدأها من مكان عمله، المقابر، حيث يعمل حفارًا للقبور!

لا تنتهي رحلة المواطن «جابر جادالله» كما بدأت، إنما تقوده إلى متعرجات كثيرة، خطيرة. نعرف تفاصيلها على مدى ثلاثين حلقة من المسلسل السوري الرمضاني المهم «مولانا»، من بطولة تيم حسن وفارس الحلو ونور علي ونانسي خوري وعلاء الزعبي ووسيم قزق وجابرييل الماكي وإليانا سعد وآخرين، مع سنديانة الشاشة الفنانة الكبيرة منى واصف، عن قصة لبنى حداد، وإخراج سامر البرقاوي.

يسعى «جابر» إلى الهروب عبر الحدود إلى خارج البلاد، فقد قتل عنصر أمن، إذن فهو هالكٌ حتمًا لا محالة. تقوده ملابسات عديدة إلى قرية وادعة اسمها «العادلية»،  يعيش أهلها على أسطورة تاريخية، مفادها أنه سيظهر من صلب أحد أوليائها القدامى، واسمه «سليم العادل»، الذي سميت القرية باسم عائلته، وليٌّ جديد يعيد سيرة جده في نشر الخير والعدل والمحبة بين أبنائها، ويعيد لها أرضها السليبة كي يزرعها الطيبون بالزيتون، فيعمل الشباب، ويعم الخير. 

ذهب «جابر» إلى القرية الصغيرة، «الضيعة»، طمعًا في الهرب فقط، لكن الناس يظنون أنه الحفيد المنتظر، الذي سيخلصهم من بطش قوة قاهرة، تتربع فوق قمة الجبل، زرعت أرض الزيتون بالألغام، كي تمنع الناس من الوصول إلى مقرها.. إنها «الثكنة»، النقطة العسكرية الحدودية، التي يترأسها «العقيد كفاح»، ومن خلالها يحكم القرية بالحديد والنار، ويتحكم في مصائر أبنائها بالفساد والفتن والمؤامرات، تحت شعار «حماية الوطن»!

فجأة؛ يجد «جابر» نفسه، وهو المواطن البسيط، «الدرويش المعتر»، حفار القبور، الذي لا يعرف كيف يحمي ذاته أصلًا؛ يجد أنه قد صار في نظر أبناء القرية «مولانا» المنتظر.. فماذا هو فاعل؟!

تفشل خطته في الهروب. ويجد نفسه في قلب الأحداث؛ أحداث القرية المنكوبة المظلومة، التي تتقاطع مع أحداث حياته، إذ نعرف أنه معتقل سابق لسبب غير مفهوم، فلم يكن مهمًّا في ذلك الزمان معرفة أسباب الاعتقال. الكل مُعرضٌ للبطش والتنكيل. كما نعرف أن زوج شقيقته القتيل كان قد تزوجها أصلًا بطريق الابتزاز، كي يسمح لها بأن تراه لدقائق في المعتقل، ثم المساعدة بعد ذلك في الإفراج عنه.

وخلال دقائق زيارة الأخت لأخيها السجين، تنسكب الدموع عندما ترى حالته من أثر التعذيب، وهو يحاول بلسان معوج مرتعش أن يطمئن شقيقته التي ليس له في الدنيا غيرها، فيقول لها جملته التي تحمل مفتاح سر الحكاية كلها: «بدي أرتاح».. يريد «جابر» حفار القبور فقط أن يرتاح.

هذه الرغبة البسيطة، تقوده بالتدريج إلى التماهي مع أسطورة أبناء «العادلية» البسطاء، فيعيش كذبًا في ثوب «مولانا»، بعد أن تعلقت به أحلام الناس، كي يستعيدوا أرضهم، ويعيشوا في سلام.
لم يقل «جابر» أو أبناء «الضيعة» إنهم يريدون مثلًا السعادة، أو الرخاء، بل إنهم حتى لم يعلنوا أنهم يطالبون بحقوق.. إنما هي الرغبة في الراحة فقط.. أن يبقوا في سلام.. أن يعيشوا آمنين دون خوف.. دون احتمال دائم بالتعرض للإهانة دون سبب.

ولأجل هذه الراحة، وفي سبيلها، يبدأ «جابر» الذي صار «مولانا سليم العادل» وصارت «الثكنة» تحسب له حسابًا بسبب التفاف الناس حوله؛ يبدأ خطته في الثأر لنفسه أولًا مصارحًا «شهلا» شقيقة «سليم» الحقيقي الذي مات في حادث سيارة، بأنه ليس لصًّا أو نصابًا إنما... يصرخ صرخته الكبرى قائلًا إنه يريد الانتقام من أولئك الذين «دعسوا على كرامته»، أي رجال الثكنة وزملائهم في كل ربوع سوريا في ذلك العصر، مكررًا كلمته لكن بغضب شديد هذه المرة: «بدي أرتاااااح»!

يبدأ «جابر» مواجهة رجال الثكنة الأشداء، بالترتيب والتخطيط والعقل. إنه حفار القبور الذي اعتاد دفن الناس في بلد، كان الموت فيه أسهل من إشعال عود ثقاب، حتى صار حديث الصباح والمساء، وكان هو الشاهد الصامت على الموت في كل وقت. 

هكذا كان.أما اليوم فقد بدأ يخطط للعمل من أجل بناء حياة، فينتشل الناس من قبور اليأس والإحباط والتفكير - مثله سابقًا- في الهروب لأجل النجاة!
فعل ذلك بالوهم.. نعم.. بالكذب.. صحيح.. فهو ليس وليًّا صاحب كرامات. ليس دجالًا يعمل بالخرافات. هو ليس «سليم العادل» أو من نسل جده. وهي الحقيقة التي أدركتها «جورية» حكيمة القرية من أول لحظة، لكن دون إفصاح، فقد قررت أن تعزز أسطورته. دعمته، كي يمد الناس بالأمل، بالثقة، وإن يكن بالكذب. لا يهم. المهم أن يتحركوا. وهو ما حدث أخيرًا. ليضحي الوهم عندئذ خيالًا ملهمًا.

فاصل شخصي مرتبط بالفكرة: قلت لصديقٍ سابقٍ مرة عن إنسان حقيقي نعرفه إنني كنت أراه «شخصية خيالية». وافقني صديقي لكنه وصفه بأنه «شخصية وهمية»! عندئذ أدركتُ البون الشاسع بين طريقتي التفكير والرؤية. فالوهم غير الخيال. الخيال حلم أما الوهم فكذبة. الخيال أمل ورؤية وصورة يحاول الإنسان رسمها كي يبقى الواقع محتمَلًا، أما الوهم فـ.. لا شيء.. فراغ كامل وضلالات!

بالخيال؛ بنى «جابر» أسطورته الحقيقية. كاد يضحي بحياته وسط الألغام التي وضعتها «الثكنة» لتكون فاصلًا بينها وبين الناس، كما تفعل كل سلطة فاسدة ديكتاتورية. شحن الناس بالأمل والقدرة، مما قادهم إلى تحرير أرضهم الطيبة، وإسقاط حكم الثكنة الغاشمة، واستعادة مقرها؛ مقر السلطة.

فعلها «جابر جادالله» ثم اختفى. غاب عن القرية. وأعلنت «جورية» إغلاق بيت «مولانا» حتى يأتي إليه من يستحق أن يسكنه، أي.. حتى «يجود الله» على الناس بحاكم منهم، «يجبر» كسرهم، ينحاز إليهم، ويمنحهم الحق في أن يحيوا بسلام.. أن يرتاحوا!

وحتى يحدث هذا فالحكم للناس، والقانون، ولذلك صار الراوي في مشهد النهاية -بدلًا من «جورية» التي أحيت الأسطورة الخرافية- هو «فارس»، الشرطي ذو الضمير، ابن القرية، رمز القانون. القانون هو الحاكم. وهو من ينبغي أن يكتب التاريخ ويدونه للأجيال المقبلة.

لكن.. لكل حرب ضحايا، ولكل مكسب ضريبة، لهذا فكرت «زينة» العاشقة الولهانة، رمز الحب في القرية، في الإقدام على الانتحار؛ ففي ظل المواجهة مع الظلم لا وقت للحب. لا مجال. تتوارى المحبة وتتعالى الصراعات، لكن «زينة» لم تمت. بقيت، على أمل أن تعود المحبة يومًا.

لا شيء أوضح - وأجمل- من هذا في الدلالة على ما جرى في سوريا. قدَّم المسلسل العمل حكاية بسيطة إنسانية، أجابت عن السؤال الكبير: ماذا أوصل البلاد إلى هذا؟!

ولم يغفل صناع العمل -في مشهد النهاية- إشارة مهمة، إذ ظهر «جابر» من جديد، كما في مشاهده الأولى في رحلة القطار إلى «العادلية» التي سميت باسمه لتكون «الجابرية»؛ ظهر وعلى ملابسه آثار دماء كتلك التي لوثته بعد قتله صهره في بداية الرحلة.. 

تُرى ماذا فعل؟! وما سبب الدم؟! هل احتاج -في العصر الجديد- إلى قتلٍ جديد كي يرتاح؟ !أسئلة وأسئلة إجاباتها مفتوحة، ومعلقة بالمستقبل!

أخيرًا.. أعلم أن هذا مقال عن مسلسل لم يشاهده بالتأكيد أغلب المصريين، للأسف، برغم أننا شعبٌ يحب الفن ويتذوقه، يهوى تحليل الشخصيات وتفكيك الحبكات وفك رموز الإشارات في المَشاهد والصور. وظني أننا إن فعلنا وشاهدنا الدراما السورية المفعمة بالفن الحقيقي والتفاصيل الدقيقة لوجدنا متعة؛ وأيما متعة، والأهم أننا حينها سنفهم الواقع كما هو، بعيدًا عن الأفكار الجامدة والنظريات المعلبة، لنجد عندئذ إجابات أعمق كثيرًا عن أسئلتنا الكبرى الحائرة حول ما جرى ويجري في سوريا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة