تشكل النقابات المهنية مجالًا يجمع بين خدمة المهنة وروح التنافس الديمقراطي بين أعضائها، ولذلك تظل الانتخابات النقابية لحظة مهمة تعكس تطلعات أعضائها.
وفي هذا السياق شهدت نقابة المهندسين المصرية الأسبوع الماضي درسًا هادئًا في الديمقراطية المهنية، تمثل في انتخابات انتهت بفوز الدكتور محمد عبدالغني بمنصب النقيب العام، بعد منافسة مع المهندس هاني ضاحي وزير النقل الأسبق، في أجواء اتسمت بالهدوء والتنظيم.
هذه ليست الانتخابات الأولى من نوعها في هذا الجو الديمقراطي؛ فقد شهدت النقابة انتخابات مماثلة في الدورة السابقة، التي جاء بها المهندس طارق النبراوي نقيبًا، وهو ما يؤكد أن تقاليد التنافس المهني الحر داخل النقابة ليست وليدة اليوم.
ومع ذلك، فإن أبرز ما يلفت الانتباه في هذه الانتخابات هو ضعف نسبة المشاركة، مقارنة بحجم الجسم النقابي الكبير. فقد أدلى نحو 22 ألف مهندس بأصواتهم في الجولة الأولى، بينما شارك نحو 17 ألفًا في جولة الإعادة، من بين ما يقرب من 950 ألف مهندس مقيدين بالنقابة. وحتى إذا أخذنا في الاعتبار أن نسبة معتبرة من المهندسين المصريين -تصل إلى نحو 40٪- تعمل خارج البلاد، فإن نسبة المشاركة الفعلية تظل محدودة، ولا تتجاوز في أحسن التقديرات نحو أربعة في المائة من مجموع المهندسين.
هذه الأرقام لا تقلل من قيمة العملية الانتخابية أو من شرعية نتائجها، لكنها تطرح سؤالًا مهمًا حول أهمية العمل على توسيع دائرة المشاركة النقابية في المستقبل، بحيث يحرص عدد أكبر من المهندسين على الانخراط في العمل النقابي داخل مؤسستهم التي تمثلهم وتعبر عن مصالحهم المهنية.
كان للدعم الذي تلقاه الدكتور محمد عبدالغني من النقيب السابق المهندس طارق النبراوي أثر إيجابي لدى قطاع من المهندسين الذين تابعوا أداء النقابة في السنوات الماضية، ووثقوا بتجربة إدارتها خلال تلك الفترة.
وفي سياق المنافسة الانتخابية، أدار الدكتور عبدالغني حملة نشطة ركزت بدرجة كبيرة على القضايا التي تشغل المهندسين في حياتهم المهنية والمعيشية، وفي مقدمتها تحسين المعاشات، وتطوير خدمات الرعاية الصحية، وتعزيز برامج التدريب والتعليم المستمر. وهي قضايا تمثل بالفعل أولوية لكثير من أعضاء نقابة المهندسين المصرية، خصوصًا في ظل التغيرات المتسارعة التي تشهدها مهنة الهندسة عالميًا.
غير أن التحدي الحقيقي لأي مجلس نقابي جديد لا يبدأ يوم الانتخابات، بل يبدأ بعدها. فالنقابة التي تضم ما يقرب من مليون مهندس تملك إمكانات كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تواجه مسئوليات ضخمة في الدفاع عن مصالح أعضائها، وتطوير مهنتهم، وتعزيز دورهم في عملية التنمية.
أمام مجلس النقابة الجديد فرصة مهمة لتوسيع دور النقابة في مجال التعليم الهندسي المستمر، وهو المجال الذي أصبح اليوم أحد أهم عناصر قوة المهن الهندسية في العالم. فالتكنولوجيا تتغير بسرعة غير مسبوقة، من الذكاء الاصطناعي إلى تقنيات البناء الحديثة والتحول الرقمي في التصميم والإدارة، وهو الأمر الذي يجعل اكتساب المهندس معارف جديدة طوال حياته المهنية ضرورة لا ترفًا.
لدى نقابة المهندسين المصرية عدد من الخدمات الرقمية، مثل تطبيق “نقابتي” لتجديد الكارنيه، وخدمات الرعاية الصحية أونلاين، كما تدير بعض البرامج التدريبية في إدارة المشروعات ومجالات مهنية مختلفة. إلا أنها حتى الآن لا تمتلك بوابة تعليمية رقمية متكاملة للتعلم المستمر والتطوير المهني عبر الإنترنت، وهو ما يفتح المجال أمام تطوير هذه الخدمات لتواكب أفضل الممارسات المهنية العالمية.
ومن هنا قد يكون من المفيد أن تتجه النقابة إلى تطوير منظومة حديثة للتعليم المهني، تقوم على دورات تخصصية قصيرة وبرامج تعليمية مرنة تتيح للمهندس تحديث معرفته ومهاراته بصورة مستمرة، وربما ربط ذلك مستقبلًا بتطوير الدرجات المهنية داخل النقابة بما يعكس الخبرة المهنية والتعلم المستمر، كما هو معمول به في العديد من الهيئات المهنية الدولية.
كما قد يكون من المفيد التفكير في تدشين منصة رقمية متكاملة تجمع خدمات النقابة التعليمية والمهنية في مكان واحد، وتتيح للمهندسين داخل مصر وخارجها متابعة الدورات التدريبية والتواصل المهني بسهولة أكبر.
ومع تطور مثل هذه المنصات مستقبلًا، قد تفتح الباب أيضًا لوسائل حديثة تعزز المشاركة النقابية، وربما تسهم في رفع نسب التصويت في الانتخابات القادمة.
مبروك لنقابة المهندسين قيادتها الجديدة، ومبروك للدكتور محمد عبدالغني ثقة المهندسين. وكلنا أمل أن تكون هذه الدورة خطوة إضافية نحو تعزيز دور النقابة كمؤسسة مهنية قوية، تسهم في تطوير المعرفة الهندسية ودعم مكانة المهندس المصري في عالم يتغير بسرعة.