عندما أرى غروره وتكبره أتعجب لأمره وهو يحاول أن يطاول السماء علوًا وارتفاعًا، يجاوز حدود الذوق والاحترام ويتخطاها عن عمد، لا أملك لنفسي عندها إلا أن أشفق عليه فهو لا يعلم عن الحياة الدنيا ما أعلمه وما يعلمه عنها غيري، تغرقني الدهشة في بحارها، فأعود لأسأل نفسي سؤالًا: هل هو بالفعل يجهل نهايته؟ أم أنه يتعمد أن يسلك ذلك المسلك الذي يشعره بأنه أفضل من كل من حوله؟
مغيب هو بلا شك كل من تعالى وترفع على غيره، ما الذي جعله يبسط ظلال غروره على كل من حوله؟ بأي حق؟ وما هي حجته في إتيانه بجبروت وتكبر لا يحق له امتلاكه فهو لو أنه يدرك ملك الله الذي سواه وخلقه؟ لا هو يناسبه ولا يجب أن يتشبث به فهو من سيبوئه مقعده في نار تستعر وتنتظره.
من تكون أنت ومن أكون أنا؟ كلنا عباد لله الذي خلقنا ويعلم ما تنطوي عليه كل نفس، الله الذي منحنا من فضله ما جعلك تتناسى ضعفك وفناءك القريب أو البعيد فالأمر سواء، تجهل حقيقتك كعبد لله عليه أن يعظمه ويحسن عبادته، أذكرك الآن وأكررها كلنا عبيد لله مولانا المستأثر بكل الكبرياء والعظمة.
ألهذا الحد خدعتك دنياك؟ كم بررت لنفسك ما تخطط له وما تفعله بكل متعة وارتياح، عد إلى رشدك واسرد لنفسك حقيقتها، اشرح لها ضعفها ومدى حاجتها لغيرها فكلنا ضعفاء، يحتاج بعضنا إلى بعض والغني، هو الله وحده جل جلاله، ربما ترى بعدها الدنيا على صورتها، تافهة، خاوية لا تستحق ما تقوم به وما تفعله، فارغة إلا من تواضع جم يصاحب عملًا يخدم الإنسانية، فكل متع الدنيا إلى زوال.
إن تطلعك الدائم لأن تعيش في دور ليس دورك سيقلل منك ومن شأنك، وسيشوه حقيقتك ويحولك لأضحوكة لا تنتهي، ثق بحديثي فأنا أصدقك القول، أراك بضعفك وقلة حيلتك مثلنا جميعًا فمن أين أتيت بالتعالي على الغير، عد أدراجك وتخلَّ عن كبرك وغرورك، تذكر درك أسفل في النار لا ترغب به لا تحتمله، كن على ثقة بأنك لن تنال من هذه الحياة -الفانية- إلا ما كتب لك من نصيب فيها، تلك هى الحقيقة الساطعة التي لا يجب عليك أن تغفل عنها.
كن فطنًا وكن حذرًا، تطلع لنوال رضا الله ورحمته، فالحياة الدنيا قصة لها نهاية، منتهية وليست بدائمة، مثلها كمثل أنثى العنكبوت برعت في نسج خيوطها على كل لاه جرفته أمواج بحر تكبره وغطرسته، أسكنته وسط ظلمة حالكة توحي بالشر وتؤكد الخطر، استحضر حقيقتك الآن وانتبه قبل أن تملي عليك الحياة شروطها وتدفع بك نحو طريق غير مأمون العاقبة.