المشهد من أعلى.. إذا استطعنا أن نصعد بأنفسنا للحظة، ونرى المنطقة العربية من أعلى، كأننا على متن طائرة تحلق في الفضاء، ماذا سنرى؟ سنرى أرضًا تمتد من المحيط إلى الخليج، فيها كل مقومات الحياة، من نفطٍ وغازٍ وموقعٍ إستراتيجي وأنهارٍ وأراضٍ خصبةٍ. وسنرى فوق هذه الأرض سماءً مفتوحةً، فيها من كل لون.
ولكننا إذا دققنا النظر أكثر، سنرى مشهدًا عجيبًا؛ صواريخ تنطلق من مكان إلى آخر، وصواريخ أخرى تعترضها، وكلها فوق أرض عربية، وفوق سماء عربية!! وصاحب الأرض وصاحب السماء يقف متفرجًا، يتابع كل هذا على شاشة هاتفه الصغير، كأنه يشاهد فيلمًا على نتفليكس!
هذه هي القضية.. هذا هو السؤال الكبير كيف تحول العربي من فاعل في التاريخ إلى متفرج على مسرحية الوجود؟! كيف تحول من صانع الحدث إلى مجرد مشاهد يدفع الثمن، ولا يملك حق تغيير القناة؟
السر ليس في السلاح
يقولون إن العربي عاجز؛ لأنه لا يملك سلاحًا. وهذا غير صحيح. العربي يملك من السلاح ما يملأ الدنيا. ولكن السلاح وحده لا يصنع القوة. القوة الحقيقية في البوصلة. في القدرة على قراءة الخريطة.
ويقولون أيضًا إن العربي فقد البوصلة. تاه في الطريق. صار يرى بعيون الآخرين، ويفكر بعقول الآخرين، ويخاف من أشياء لا يخاف منها الآخرون.
لقد تقمصنا دور الضحية، حتى صدقنا أننا لا نستطيع أن نكون جلادين، وتقمصنا دور المتفرج حتى نسينا أن المسرح يحترق، وأن الخشب الذي يحترق هو نحن.
الخطر المركب
لا يمكن اختزال التهديد الذي يحيق بالعرب في خطر واحد. هذا هو الخطأ المنهجي الأول. المشهد اليوم ليس فيلمًا من بطل وشرير. المشهد لوحة تجريدية متشابكة الخطوط، متداخلة الألوان.
هناك إيران. إيران التي تمتد أذرعها من طهران إلى المتوسط. والتي تفكك العراق، وتدمر سوريا، وتحتضن لبنان احتضانًا ناعمًا، وتحارب في اليمن بالوكالة. إيران التي تؤمن بأن حدود أمنها تبدأ حيث تنتهي حدود جيرانها. وهذا مشروع استعماري بامتياز، لا يقل عن المشروع الصهيوني إلا في الشعارات. والشعارات يا سادة زائلة.
وهناك إسرائيل. إسرائيل التي تضرب اليوم العمق الإيراني بكل غطرسة. هي نفسها التي اغتالت مشروع النهضة العربية قبل سبعين عامًا. هي نفسها التي تحتل الأرض وتدنس المقدسات وتقتل الأطفال في غزة. هي نفسها التي تريد "إسرائيل من النهر إلى البحر".
هذه هي الثنائية المفروضة علينا، خطر إيراني يفتت الدولة الوطنية، وخطر إسرائيلي يفتت الأمة.
والمشكلة ليست في وجود الخطرين. المشكلة في محاولة تحويلهما إلى خيار واحد. إما أن تموت ذبحًا على يد الحرس الثوري، أو تموت خنقًا في أحضان الموساد. كأننا في مطعم، والخيار إما السم الزعاف أو السم البطيء!!
حكاية الصواريخ والباتريوت
ما نشهده من مواجهة صاروخية بين إيران وإسرائيل هو فصل جديد من مسرحية الدم التي أخرجتها واشنطن. صواريخ إيرانية تنطلق من أجواء عربية، وصواريخ أمريكية تعترضها في نفس الأجواء. هذا إعلان صريح، السيادة العربية صارت سلعة تباع وتشترى في سوق الأمن العالمي.
إنه ذكاء المخرج الأمريكي-الإسرائيلي. هم لا يريدون فقط إضعاف إيران. بل يريدون تعميق التبعية العربية.
المنطق بسيط:
أولًا: أشعل المنطقة بالصراعات.
ثانيًا: خوف العرب، وأرهم الأخطار من كل اتجاه.
ثالثًا: بع لهم الباتريوت والثاد. بعها بالدولار، وبالسيادة، وبالتطبيع.
إنها صفقة العصر؛ أن تدفع ثمنًا باهظًا لمن يحرق بيتك، ليرضى بعدها أن يطفئ النار بمطفأته هو!!
بالأمس القريب، كان أي صاروخ يسقط على أرض عربية يقرأ في سياق العدوان على الأمة. اليوم، بات سقوط الصواريخ على تل أبيب في سماء دبي أصبح مجرد خلل فني. لقد نجحوا في إقناعنا بأننا مجرد متفرجين. واللاعبون الأساسيون هم أمريكا إسرائيل وإيران. والمتفرج لا يسأل عن رأيه. المتفرج يدفع الثمن صامتًا.
صنفان من المتفرجين
هذا الارتباك أنتج لنا في الساحة العربية صنفين من المتفرجين، وكلاهما على وهم. الصنف الأول: من يجلس في المقصورة الملكية بجانب المنتصر المتوقع. يظن أن قوته في وقوفه مع القوي. يشجع إسرائيل سرًا أو علنًا، ظنًا منه أن الصواريخ ستمر من فوقه إذا انتصر فريقه. الصنف الثاني: من يجلس في المدرجات العادية، مقتنع بأنه محايد. يظن أن بإمكانه البقاء خارج الصراع، وينسى أن النار إذا شبت في الملعب، فلن تفرق بين مشجع وآخر.
والحقيقة المُرّة أن الأمن المستعار لا يدوم، ومن يظن أن علبة الباتريوت الأمريكية ستحميه غدًا إذا تغيرت المعادلات، فهو واهم، ومن يظن أن التطبيع مع إسرائيل سيجعلها تحترم حدوده، فهو ينسى أن إسرائيل لم تحترم يومًا حدودًا رسمها لها غيرها.
غزة خير مثال. كل من حولها محايدون أو متفرجون. ومع ذلك، الدماء هناك تذكرنا بأن الحماية الحقيقية لا تأتي من الخارج، بل من قوة الداخل.
من سيأتي بعد إيران؟
لنفترض جدلًا أن إسرائيل نجحت، بغطاء أمريكي، في توجيه ضربة قاصمة لإيران!! السؤال الذي لا يطرحه المتفرجون من سيأتي بعد إيران؟!
الجواب صادم؛ تركيا. فقد صرح بها علنًا وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت.
نحن أمام مشهد تناوب أدوار. ننتقل من التهديد الفارسي الشيعي إلى التهديد العثماني السني بشكل جديد. تركيا أردوغان، بحلمها العثماني الجديد، وبأذرعها في سوريا والعراق وليبيا، تمثل مشروعًا إقليميًا طموحًا.
بل الأدهى أن إسرائيل نفسها تبحث عن أعداء جدد للعرب. نتنياهو يتحدث عن تحالف سني بقيادة السعودية ومصر لمواجهة التهديد التركي.
هم يصنعون الأعداء لنا، ثم يأتون ليحمونا منهم! إنها لعبة خبيثة؛ إبقاء العرب في حالة خوف دائم، حتى يظلوا في دائرة الاحتياج الدائم لإسرائيل وأمريكا.
إمبراطورية مُتعَبة
لا يمكن فهم هذه الفوضى بمعزل عن حالة الانحدار التي تعيشها أمريكا. أمريكا اليوم ليست أمريكا الأمس. إنها إمبراطورية متعبة، منهكة في حروبها، تواجه صعود الصين، وتفقد نفوذها في كثير من المناطق.
وهذا الانحدار يفسر التهور والعشوائية. في لحظات الضعف، يصبح الحلفاء الصغار هم من يحركون اللعبة. الذيل هو من يهز الكلب اليوم. نتنياهو يجر واشنطن إلى مواجهات لا تريدها، وهي عاجزة عن كبح جماحه، لأنها تخسر هيبتها إن لم تفعل.
دول الخليج التي راهنت لعقود على المظلة الأمريكية، بدأت تكتشف أن هذه المظلة أصبحت مثقوبة. وأنها باتت رهينة لصراعات لا ذنب لها فيها. وأن الثمن الذي دفعته من سيادة وقواعد عسكرية لم يشترِ لها أمانًا، بل زادها استهدافًا.
الخلاصة.. إما أن نكون أو لا نكون
نحن بحاجة ماسة إلى تكوين جبهة عسكرية عربية موحدة، وإلى جيل جديد من القادة والمفكرين يدركون أن الخطر الإيراني والإسرائيلي وجهان لعملة واحدة اسمها غياب الدور العربي!!
فنحن كتلة بشرية من المحيط إلى الخليج. نمتلك مفاصل الطاقة، ونتحكم بأهم الممرات الملاحية. لدينا كل مقومات النهضة. لكن هذه المقومات تبقى حبرًا على ورق، ما دمنا نقرأ المشهد بعدسات الآخرين، وما دمنا نرى بمنظار غيرنا.
المعركة اليوم هي معركة بقاء أو فناء. ومن لا يكون طرفًا في صنع القصة، سيكون حتمًا وقودًا لها.
إما أن ننهض من كبوتنا، ونصحو من غفلتنا، ونصنع مشروعًا عربيًا جامعًا يقرأ المصالح بوضوح، ويحدد الأعداء والأصدقاء وفق رؤية عربية موحدة مستقلة. وإما أن نظل في الفخ الشرق أوسطي. ننتظر من ينقذنا، ونكتفي بمشاهدة المباراة من المدرجات. ريثما تأكلنا النار.. ويأتي دورنا في القائمة.
[email protected]