ثم تكون الجائزة من الله تعالى، بالعيد المُبارك، الذي جاء تتويجًا، بالفخر والوقار، لشهر كامل من الأعمال الصالحة.
كان رمضان ملاذًا ومستقرًا، للمؤمن الصادق، صامَ نهارَه سعيدًا، وقامَ ليلَه مسرورًا، وقرأَ القُرآنَ فَرِحًا، واستمعَ إليه طربًا، وفَعلَ الخيراتِ اختيارًا، وتركَ الموبقاتِ اقتناعًا، فكان مسلمًا ربانيًّا رمضانيًّا، لا مسلمًا رمضانيًّا فقط. تعلق قلبه شوقًا لقدومه، وسالت دموعه حزنًا على فراقه.
وكما كان رمضان ملاذًا للمؤمن الصادق، ربما كان سجنًا لمن لم يملأ الإيمان قلبه وروحه ووجدانه، فتعجل رحيله، وكان كالقائل، مخاطبًا الخمر! التي عاد إليها، وعادت إليه، بعد حرمانه منها جبرًا في رمضان!!: رَمَضانُ وَلّى هاتِها يا ساقي مُشتاقَةً تَسعى إِلى مُشتاقِ …
إن مُراد الله في رمضان، أن يكون رمضان هذا، عامًا كاملًا اختيارًا، وشهراً واحدًا جبرًا، لتنتفي المشقة عن الناس، ويبقى السلوك الطيب، والعمل الصالح، فكل ما كان في رمضان، مستحبٌ كذلك بعد رمضان، بل قد يكون أعظم ثوابًا، إذ هي الطاعة من بعض الناس، وقتما يغفل عنها كثير من الناس.
ذهب رمضان، وبقي رب رمضان، فمَنْ كانَ يعبدُ رمضانَ، فقد مرَّ وفاتَ، ومَنْ كانَ يعبدُ ربَّ رمضانَ، فهو الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ. ثم تأتي الفرحة، بتمام النعمة، وكمال الفضل، بعيد الفطر المبارك. قَدِمَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ، يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: مَا هَٰذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَبْدَلَكُمُ اللهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَىٰ وَيَوْمَ الْفِطْرِ.
أقبل العيد، فاللَّهُمَّ عيدًا من الفرحة والسعادة، والرضا والبر. عيدًا ننسى فيه الخلاف، وننشر فيه المحبة، نبر فيه الوالدين، أو نتصدق لأجلهما، وندعو لهما بالرحمة، نصل فيه الرحم، ونكرم فيه اليتيم والمسكين، ونحنو فيه على الأرملة المعيلة، ونمد فيه يد الخير لكل الناس، مَنْ عرفنا، ومَنْ لم نعرف.
عيدًا نكون فيه نبعًا للبهجة والسرور، والكلمة الطيبة، والابتسامة الحانية، والمجاملة الرقيقة، التي تبعث على الارتياح، وتبلسم الجراح.
وقد انقضى رمضان، فاللَّهُمَّ بلغنا رمضان، أعوامًا عديدة، وأزمنة مديدة، وأنت راضٍ عنا. اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ صِيَامِنَا إِيَّاهُ، فَإِنْ جَعَلْتَهُ فَاجْعَلْنا مَرْحُومين، ولا تجْعَلْنا مَحْرُومين.