من نقوش المعابد إلى الموائد.. "كعك العيد" تميمة الفرح المصرية عبر الزمن

23-3-2026 | 01:36
من نقوش المعابد إلى الموائد  كعك العيد  تميمة الفرح المصرية عبر الزمنكعك العيد على نقوش المعابد
إيمان محمد عباس

تضرب جذور كعك العيد في أعماق التاريخ المصري القديم، ليشكل جسراً حضارياً ممتداً يربط بين طقوس الأجداد المنقوشة على جدران المعابد ومظاهر الاحتفال الحديثة داخل بيوت المصريين. ولم يكن الكعك مجرد حلوى موسمية، بل رمزاً مقدساً وتعبيراً فنياً عن الفرح والامتنان، احتفظ بتفاصيله الدقيقة ونقوشه الهندسية عبر آلاف السنين، متجاوزاً تغير العصور والحكومات، ليبقى البطل الأول غير المتوج على مائدة عيد الفطر المبارك، حاملاً عبق التاريخ وأسرار صناعة توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل.

موضوعات مقترحة

الأقراص المقدسة.. طقس ديني أم احتفال شعبي؟

أكد الباحث التاريخي الدكتور أحمد كمال، المتخصص في الآثار المصرية، أن صناعة الكعك تعود إلى عصور الفراعنة، وتحديداً إلى الدولة القديمة، حيث كان يُعرف باسم الأقراص المقدسة التي كانت تقدم قرابين للآلهة في المعابد أو توضع مع الموتى في المقابر. وأوضح أن الرسومات الموجودة في مقبرة «تي» بسقارة ومقبرة «رخميرع» في الأقصر توضح مراحل عجن الدقيق بالسمن والعسل وتشكيله على هيئة أقراص مستديرة تشبه قرص الشمس، في دلالة على رمزية دينية عميقة ارتبطت بالإله رع، قبل أن تتحول هذه الصناعة لاحقاً إلى عادة شعبية مرتبطة بالأعياد والمناسبات.

فن النقش والزخرفة في الكعك المصري القديم

أبدع المصريون القدماء في زخرفة الكعك بنقوش هندسية دقيقة تجاوزت مائة شكل مختلف، وكانت بعض هذه النقوش ترمز إلى أشعة الشمس. ولم تختلف المكونات الأساسية كثيراً عما يُستخدم اليوم، إذ كان الكعك يصنع من الدقيق والسمن وعسل النحل، ويُحشى بالتمر أو الجوز. ومع مرور الزمن، انتقل الكعك من كونه طقساً دينياً أو جنائزياً إلى مظهر من مظاهر الاحتفال بفيضان النيل وأعياد الربيع، قبل أن يدخل إلى العصور الإسلامية بصبغة اجتماعية جديدة.


كعك العيد على نقوش المعابد

من العهد الإخشيدي إلى العصر الفاطمي الكعك والعيدية

العصر الإخشيدي شهد طفرة كبيرة في الاهتمام بالكعك، حيث كان الوزير أبو بكر المادرائي يصنع كعكاً ويحشوه بدنانير ذهبية ويوزعه على الفقراء في العيد، وكان يُطلق عليه «أفطن إليه» في إشارة إلى المفاجأة التي يخفيها داخله. وتعد هذه المرحلة بداية ارتباط الكعك بمفهوم العيدية والتكافل الاجتماعي، إذ تحول من مجرد طعام إلى وسيلة لإدخال البهجة على قلوب المحتاجين، وهو التقليد الذي تطور بشكل أكبر في العصر الفاطمي ليصبح صناعة رسمية تشرف عليها الدولة وتخصص لها ميزانيات كبيرة.

دار الفطرة والمظاهر الرسمية لتوزيع الكعك

أنشأت الدولة الفاطمية ما عُرف بدار الفطرة، وهي مؤسسة حكومية كانت تتولى إعداد كميات ضخمة من الكعك لتوزيعها على الناس في عيد الفطر. وكان الخليفة يخرج في موكب احتفالي لتوزيع الكعك الذي يُرص في صوانٍ خشبية طويلة، في مشهد يعكس حجم الاهتمام بهذه المناسبة. ورغم أن بدايات العصر الأيوبي شهدت محاولة لإلغاء بعض المظاهر الفاطمية، فإن الكعك كان قد ترسخ في وجدان المصريين بدرجة جعلت من المستحيل منعه، فاضطر الحكام لاحقاً إلى الإبقاء عليه بل والمشاركة فيه.

ازدهار صناعة الكعك في عصر المماليك

يعد عصر المماليك من أكثر الفترات التي شهدت ازدهاراً فنياً في صناعة الكعك، حيث اشتهر سوق الحلاويين في القاهرة بأنواع فاخرة عُرفت باسم «كعك الخشكنان». واهتم صناع الحلوى آنذاك باستخدام قوالب خشبية منقوشة تحمل عبارات التهنئة مثل «كل واشكر» و«بالهناء والشفاء»، ولا تزال بعض هذه القوالب محفوظة في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، شاهدة على القيمة الفنية والتراثية التي حظيت بها هذه الحلوى عبر العصور.

الكعك في العصر الحديث من القصور إلى بيوت المصريين

انتقلت صناعة الكعك في العصر الحديث من الدواوين والقصور إلى بيوت البسطاء، وأصبحت لمة العيلة حول طبلية العجن والنقش جزءاً أصيلاً من طقوس الأيام الأخيرة من شهر رمضان. وتحولت الأغاني الشعبية المرتبطة بالكعك إلى نشيد غير رسمي لموسم العيد، في مشهد يعكس استمرار التقاليد رغم تغير أساليب الحياة. ويرى كمال أن سر بقاء الكعك يكمن في قدرته على التكيف مع كل عصر، فبينما تغيرت أدوات الخَبز وتبدل العسل بالسكر البودرة، ظل المعنى واحداً وهو الاحتفال بانتهاء الصيام وبداية الفرح.


كعك العيد على نقوش المعابد

الحفاظ على النقش اليدوي ضد الإنتاج الصناعي

دخلت التكنولوجيا والمخابز الآلية، لكنها لم تستطع القضاء على كعك البيت أو النقش اليدوي، الذي يمثل قيمة معنوية كبيرة لدى المصريين. فالنقوش ليست مجرد زينة، بل تساعد على تثبيت السكر البودرة وتمنح كل قطعة طابعها الخاص. وحذر كمال من اندثار هذه الحرف اليدوية أمام الإنتاج الصناعي، مؤكداً أن الحفاظ على صناعة الكعك هو حفاظ على جزء من الهوية المصرية.

الهوية المصرية والكعك.. إرث يتجاوز الزمان

الأدلة الأثرية تؤكد مصرية هذا التراث، الذي انتقل تأثيره إلى مطابخ دول الجوار والشام وتركيا، لكنه احتفظ بخصوصيته في الخميرة والتوابل ورائحة الكعك التي تميز المطبخ المصري. والكعك ليس مجرد دقيق وسمن، بل سجل اجتماعي يعكس أحوال المصريين عبر التاريخ؛ ففي سنوات الرخاء امتلأت الأقراص بالمكسرات الفاخرة، وفي سنوات الشدة صنعه الناس بأبسط الإمكانيات حفاظاً على فرحة العيد. ويبقى كعك العيد، بعد أكثر من خمسة آلاف عام، شاهداً حياً على حضارة صنعت من العجين فناً، ومن الفن طقساً، ومن الطقس عيداً لا يغيب عن ذاكرة المصريين مهما تعاقبت الأزمنة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: