بعد 19 يومًا من الحرب الأمريكية على إيران، لا أحد يمتلك أو يعلم حقيقة ما يدور ويحدث، سوى "الحق" سبحانه، حيث التطورات الكارثية على كوكب الأرض تتفاقم بشكل مذهل، فلا ندرك تمامًا حجم أعداد الضحايا أو المصابين، أو الخسائر لطرفي الحرب، أو مدى الدمار الاقتصادي والبيئي والاجتماعي والنفسي الذي نتج عن المواجهات الجوية والبحرية والبرية، وينبع غياب المعرفة من تزايد حجم النيران والانفجارات فائقة التعقيد والتطور الناتجة عن المواجهات، فضلاً عن حرص أطراف الحرب الشديد على إخفاء حجم الخسائر، وذكر نقيضها، إضافة إلى مدار الذكاء الاصطناعي ومنتجاته المذهلة.
اللافت أنه بالرغم من حجم الدمار والخسائر، إلا أن سبب قيام الولايات المتحدة بحربها ضد إيران ليس معروفًا أو معلنًا بشكل واضح وصريح حتى اليوم، وهو ما أشار إليه عضو مجلس النواب الأمريكي "توماس ماسي" عن الحزب الجمهوري، حيث يقول: "إدارة ترامب ليس لديها رواية واضحة حول سبب حربها ضد إيران، وأن الإجابة الأكثر صراحة هي التي ذكرها وزير الخارجية بأن إسرائيل كبلت أيديهم وجرتهم إلى هذه الحرب".
ويعزز رؤية عضو النواب الأمريكي، الاستقالة التي تقدم بها مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في واشنطن "جوزيف كنت" من منصبه الحكومي الرفيع، وهو شخص مطلع على أعلى درجات المعلومات السرية والاستخبارية، حيث ذكر في رسالة استقالته: "بعد تفكير عميق، قررتُ الاستقالة، لا أستطيع، بضميرٍ حيّ، دعم الحرب الجارية على إيران. لم تُشكّل إيران أي تهديد وشيك لأمّتنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب نتيجة ضغوط من لوبي إسرائيل القوي".
وما يرجح رؤية عضو مجلس النواب، والاستقالة المسببة لمدير المركز الوطني الأمريكي، هو تصريح لرئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، أمس الثلاثاء 17 مارس 2026، قال فيه: "نخوض هذه الحرب ضد إيران لكي نساعد (أصدقاءنا الأمريكيين) في الخليج سواء عبر هجمات مباشرة أو من خلال عمليات غير مباشرة".
الأمر اللافت والأكثر إثارة ليس فقط هو تبادل الأدوار بين الرئيس الأمريكي ورئيس وزراء الكيان في الحرب الحالية، ولكن لأنهما يتشابهان في الحالة الشخصية والسلوكية والمهنية، فكلاهما ملاحق ومطلوب للعدالة من قبل القضاء سواء المحلي أو العالمي باتهامات عديدة، وهي سابقة لم تحدث في التاريخ الحديث، ولعل أحدهما، أو كلاهما، يخوض الحرب بلا سبب سوى إرضاء الآخر ومجاملة له، أو هروبًا من العدالة.
لن نذكر حالة نتنياهو، التي تعد افتراضية حتى الآن، أما بالنسبة لحالة ترامب، فقد ذكرت تقارير إعلامية متخصصة في تدقيق الحقائق بعض الإحصائيات حول تصريحاته المثيرة للجدل والمضللة: في ولايته الأولى "2017-2021": وثقت صحيفة "واشنطن بوست" إدلاء ترامب بأكثر من 30 ألف تصريح كاذب أو مضلل خلال سنواته الأربع في البيت الأبيض.. والمعدل اليومي في عام 2018 وحده، رصدت الصحيفة معدلاً يصل إلى 15 كذبة يوميًّا، وارتفع هذا المعدل في بعض الفترات ليصل إلى 22 تصريحًا يوميًّا.. وخلال الحملات الانتخابية: أشارت تقارير سابقة من مجلة "POLITICO" إلى أن حوالي 70% من تصريحاته خلال حملة 2016 كانت تتضمن معلومات غير دقيقة.
أما الولاية الثانية والحالية "2025 وما بعدها": تشير تقديرات حديثة، حتى مارس 2026 الحالي، إلى استمرار هذا النهج، حيث تناقلت تقارير وصول إجمالي ادعاءاته المضللة إلى ما يقارب 31 ألف تصريح منذ توليه السلطة مجددًا، وتصنيفها فرق التدقيق ما بين "كذب صريح" و"ادعاءات مضللة" تفتقر للسياق الصحيح..
وهذا السياق الصحيح تترجمه مواقف حلفائه التقليديين في الحرب الراهنة ضد إيران، فقد رفض حلف "الناتو" المساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، الذي تسيطر عليه وتتحكم في الملاحة والعبور فيه منذ بداية الحرب حتى اليوم هي إيران، وهذا يحسب انتصارًا مرحليًّا لها في الحرب.
بالرغم من تكرار الرئيس الأمريكي ومناشدته القوى الدولية المساعدة والتدخل، باعتبار المضيق هو الممر العالمي لأكثر من 20% من النفط الخام العالمي، لكن حلفاءه يرفضون التدخل، وتنضم إليهم أستراليا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وهو ما أثار غضبه، فقد أوضح القادة الأوروبيون أنهم لا يرغبون في المخاطرة بأي تحركات قد تجرهم إلى حرب أوسع مع إيران، لا سيما وأنهم يعتبرون الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية غير قانونية وبدون تفويض من الأمم المتحدة.
ولاشك أن مضيق هرمز يشكل نقطة البداية والشرارة الأولى أو "الأعمال الكاملة" لحرب تتسع دائرتها جغرافيا، ويتضاعف تأثيرها اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا، حيث حجم تأثير المضيق في مسار حرب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران يتجاوز نسبة النصف "50%" من حجم الصراع، والأخطر أن هذه النسبة آخذة في الارتفاع يومًا بعد الآخر، فالمضيق، وعلى ساحله في الشمال الشرقي، تقع جزيرة "خرج" النفطية، فالمضيق والجزيرة يختزلان الصراع ليشكلا مسرحًا لحرب لا نعلم مداها، وبالرغم من أن المواجهات قضت على 14 من صفوة القادة الإيرانيين من ساسة وقادة استشهدوا في مقدمتهم أعلى سلطة روحية وسياسية، فضلاً عن 2 من رؤساء الجمهورية الإيرانية، إلا أن المضيق مازال، حتى اليوم، في قبضة طهران، ومن يقبض على المضيق كالقابض على الحرب.