بينما ينشغل العالم بترتيبات السياسة وحسابات القوة، كنت أفتش في ثنايا الليالي الوترية عن "سلام" لا تمنحه طاولات المفاوضات، بل تهبه السماء لقلوب أرهقها ضجيج الفتن. في زاويتي تلك، حيث يسكن الكون إجلالًا، وتتوقف الطبيعة عن حركتها المعتادة لتدخل في محراب الصلاة، استنشقت يقينا يملأ صدري، ورأيت في هدوء الليلة براءة من واقع ملبد بغيوم الفتن وقرع طبول الحرب، وكأن السكينة الروحية أصبحت غنيمة يحاول الأعداء سلبها منا حتى في محراب صلاتنا.. ألا قاتلهم الله أنى يؤفكون.
إن لليلة القدر عذوبة لا تشبهها عذوبة، وصفاءً يغسل أرواحنا من أدران الصراعات الضيقة؛ هي الليلة التي تتنزل فيها الملائكة بالرحمة، لتهمس في آذان المتعبين أن الحق باقٍ، وأن الظلم زائل.
في سكونها العجيب، ندرك أن هذه السكينة ليست مجرد طمأنينة فردية، بل هي "طاقة قوية" نتمناها أن تنعكس على أمتنا جميعًا، لتطهر العقول من الضباب والقلوب من الأحقاد.
إننا بحاجة لهذا الصفاء الرباني لنقفز فوق كل التحديات، ولنستمد من نوره البصيرة التي تجعلنا نرى الأفخاخ قبل أن نقع فيها، والوعي الذي يمنعنا من منح الأعداء أي ثغرة للنفاذ إلى وعينا أو تفتيت منطقتنا وإسقاط شعوبنا في أتون الفوضى والضياع.
وسط هذا الصفاء، استحضرت كلمات الرئيس السيسي في إفطار الأسرة المصرية، حين قال بنبرة تنبيه واضحة: "لازم نفضل دايما كتلة واحدة.. الدنيا بتتغير من حولنا بشكل كبير جدًا، ولازم نكون مستعدين".
إن هذا التحذير لم يأت من فراغ، بل هو إدراك بأن "التغيير" الذي يتحدث عنه العالم ليس إلا غطاء لمخطط "الشرق الأوسط الجديد" الذي يسعى الصهاينة ومن عاونهم لتحقيقه؛ تلك اللحظة التي تسبق العاصفة، حيث يراد للمنطقة أن تعاد صياغتها بالكامل، ومن لا يفهم إشارة "التغيير القادم"، ويتمسك بوعيه الوطني خلف مؤسساته وجيشه، سيجد نفسه خارج التاريخ.
إن معركتنا اليوم هي معركة "وعي بالأساس"، فمن يملك السكينة الروحية يملك الثبات الانفعالي والسياسي، فلا يستفزه عداء عابر ولا تخدعه تحالفات مريبة.
لكن، ومع هذا الجلال الكوني، وفي خضم هذه التحديات التي تمر بها منطقتنا العربية والإسلامية، يظل رباط الأخوة هو الحصن المنيع الذي نلوذ به جميعًا. ورغم ما قد يطالعنا أحيانًا من تباين في وجهات النظر أو عبارات لا تفي قدر مصر حقها؛ نجد لزامًا علينا أن نضع النقاط على الحروف بعتاب المحب الذي يترفع عن الصغائر ويأبى الانجراف خلف فخاخ الوقيعة بين الأشقاء.
إن مصر كانت وستظل القلب النابض للعروبة؛ فالانتماء العربي بالنسبة لنا ليس مجرد جغرافيا، بل هو قدر ومصير وجذور ضاربة في أعماق التاريخ. ولابد أن ندرك جميعًا أن قوة أي عاصمة عربية هي قوة للقاهرة، وأن استقرار مصر هو صمام الأمان للجميع.
لذا، فإن نداءنا اليوم هو دعوة صادقة لتنقية القلوب من الشوائب، والارتفاع بمستوى المسئولية نحو أوطاننا؛ فمصر التي فتحت -وتفتح- ذراعيها دائمًا للجميع، تدرك أن مصيرنا واحد، وأن قوتنا في التلاحم العربي كالبنيان المرصوص الذي لا تهزه الأعاصير ولا تفرقه الفتن.
إن اللعبة الكبرى الآن تكمن في محاولة نصب "المصائد" لتفتيت ما تبقى من قوة إقليمية عبر توجيه البوصلة نحو صراعات جانبية، ليخلو الطريق للعدو الحقيقي الذي سطرته الدماء في 1973، وهو الصهيونية العالمية التي لا أمان لعهودهم إلى يوم الدين.
إن الوعي الحقيقي هو ألا نأكل "السم" الذي يدس في عسل التحالفات الموهومة، وأن تظل عيننا على من يريد تمزيق نسيجنا الواحد وإسقاط شعوبنا في فخ الاستنزاف والتبعية.
في الجهة الأخرى، أرصد أحلام المواطن العربي عبر المنصات والسوشيال ميديا؛ أولئك الذين تبرهن فرحتهم العفوية بكل نبأ يحمل بشارة بوهن العدو أو زوال رموزه -كما حدث حين سرت أنباء غياب نتنياهو عن المشهد- على أن بوصلة الشعوب تظل تسير نحو الصواب مهما حاول المغرضون تعتيم الرؤية.
لقد كانت تلك الحالة من الاستبشار، وإن كانت شائعة، برهانًا على أن القلوب لم تنس قضيتها، وأنهم الرصيد الحقيقي لأي نصر قادم، لأنهم لم يتلوثوا بصراعات المصالح، بل ظلوا على الفطرة، ملتحمين بوجع أوطانهم وآمال أمتهم.
في محراب هذه الليلة التي هي خير من ألف شهر، لا يرتفع صوتي إلا بالدعاء: "يا رب، احم مصرنا ونيلنا من كيد الماكرين، واجمع قلوب الأشقاء ولا تفرقهم، ورد كيد المتربصين في نحورهم، واحفظ يا رب أمتنا العربية والإسلامية على قلب رجل واحد.
إن الأمل في غد أفضل ليس مجرد أمنيات، بل هو نتاج وعي شعوبنا وثبات مواقفنا. نحن لا ننتظر من العيد مظاهر الفرح فحسب، بل ننتظر اكتمال اليقين بأن وحدتنا هي قوتنا الحقيقية أمام كل الطامعين.
ستبقى مصر دائمًا ركيزة الاستقرار، تبني وتحمي وتزرع في الأجيال أن النصر والفرج يتحققان بالصبر والعمل و"سلام هي حتى مطلع الفجر".