إن ما يثار الآن ويناقش حول تطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي في مصر أمر جد مهم، ولا أحد يرفض التطوير، ولا مندوحة عن ذلك، فحتى تتحقق المواكبة والمعاصرة لابد من التطوير بما يتماشى مع العصر ومتغيراته وأسواق عمله.
لكن ضرورة ملحة أن يكون التطوير على أسس علمية، ومن يقوم به خبراء متخصصون في هذا المجال، ليس هذا وحسب بل ويكونون على دراية بحاجة سوق العمل المحلي والإقليمي والدولي.
نعم أسواق العمل بمجالاته المختلفة والمتجددة.
فالخريج شاب متطلع ويسعى إلى مستقبل أفضل يحقق له آماله وطموحاته، سواء عن طريق عمل يتقدم له في بلده يتناسب مع مؤهله الذي حصل عليه، أو يجد فرصة عمل في أي مكان تمكنه من بناء مستقبله ومستقبل أسرته.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه علينا جميعًا، هل تطوير التعليم وليد اللحظة، أو يحدث بين عشية وضحاها؟!
أم لابد أن تكون ثمة دراسات مستفيضة حول هذا الموضوع، دراسة من جميع جانبه: العلمية، السياسية، الاقتصادية، الثقافية، الاجتماعية، لماذا؟!
حتى لا تتكرر أخطاء الماضي، ونعود إلى المربع صفر، (وكأنك يا أبا زيد ما غزيت).
ويصبح التعليم بجميع مراحله حقل تجارب، كل يريد أن يجرب مشروعه التطويري، فيذهب زيد بفكره ويلملم أوراقه ويأخذها معه، ويأتي عمرو بأوراق جديدة، ويمضي وهكذا دواليك دونما تحقيق منتوج ملموس على أرض الواقع.
من هذا المنطلق، ومن منطلق حرصي على مستقبل أبنائنا الطلاب، وحرصي على العملية التعليمية برمتها، دعونا ننصت إلى صوت العقل والحكمة، فالقضية مهمة جدًّا، قضية أمن قومي، قضية تعليم بلد يسعى إلى العالمية من خلال تحقيق تنمية مستدامة وبناء دولة معاصرة.
اسمعوها من رجل قضى أكثر من ثلاثين عامًا في مجال التعليم الجامعي وساحات البحث العلمي، منها ست وعشرون عامًا تدريسًا بالفعل في قاعات الدرس سواء في كليات الآداب أو كلية التربية.
أولاً: إن تطوير التعليم لا يكون باستجلاب مسميات لمقررات دراسية من الخارج، أسماء فقط مفرغة من المضمون، أي من المادة العلمية التي سنقدمها للطلاب، كاستحداث برامج جديدة في الجامعات الخاصة، ظاهرها مفرح ومشرق خصوصًا في مجال البرمجيات والإلكترونيات والرقمنيات دون تهيئة المناخ المناسب من هيئات تدريس، معامل، قاعات درس وخلافه.
فضلاً عن ذلك، هل يعقل أن يلتحق بهذه البرامج طلاب من الثانوية العامة حاصلون على ستين بالمائة أو خمس وخمسين بالمائة، هل سينجح الطالب في هذه البرامج؟! ولنا وقفة مع أسباب تدني مجاميع طلاب الثانوية العامة في موضع آخر!
ثانيًا: فكرة الاستغناء عن بعض التخصصات التي لا تتواءم مع السوق، سوق العمل.
أطلب من حضراتكم أن تضعوا أصبعنا على أي تخصص من التخصصات التي لا تتناسب مع سوق العمل، ومع لزوميته لحياتنا المعيشة، هل مثلاً علم النفس، هل الفلسفة، هل اللغات بكل فروعها، هل التاريخ، الجغرافيا، هل الإعلام سواء الصحافة أو التليفزيون أو العلاقات العامة؟
هل أقسام علوم المسرح مثلاً؟! أتمنى أن يجيبني أحد لعلي أكون مخطئًا! ليصحح لي مفاهيمي عن التعليم الجامعي والعملية التعليمية.
فضلاً عن ذلك فإن اختزال التخصصات فيما يسمى بمواكبة سوق العمل سيخلف كوارث على كافة الأصعدة والمستويات الفكرية، سواء الثقافية أو التعليمية أو الاجتماعية، وأهمها إهدار لشخصانية الإنسان، وإهدار لبنائه وتكوينه العقلي، فالإنسان ليس ترسًا في آلة، وإنما هو الذي يقود الآلة لا الآلة التي تقوده، هو الذي يبتكر الروبوت الآلي.
ثالثًا: مسألة ضم الكليات إلى بعضها البعض، موضوع باء بالفشل من ذي قبل، وحتى ضم الأقسام العلمية إلى بعضها البعض باء بالفشل، لماذا؟ لاتساع مظلة التخصصات، وبات كل تخصص له لائحته التنظيمية، فإذا أردنا ضغط هذه التخصصات مع بعضها البعض، أو ضممنا الكليات إلى بعضها البعض، فإن هذا الأمر سيؤدي إلى عواقب غير محمودة.
أ- بالنسبة لضم التخصصات، فإن هذا سيحدث نوعًا من التضارب بين التخصصات مما يثقل كاهل الطالب بمقررات دراسية ستنهكه ذهنيًا، وستكون نسبة تحصيله ضئيلة جدًّا، شاهدي على ذلك الطالب الآن يحمل ما يقارب اثني عشر مقررًا موزعة على فصلين دراسيين، فكيف هو الحال إذا ضممنا قسمين أو تخصصين إلى بعضهما البعض؟
ب- أيضًا سيحدث جور على التخصصات حتى لو تغلبنا على كثافة المقررات، هل سنستطيع توفير ساعات دراسية لتدريس كافة المقررات؟ هل سيستطيع الأساتذة شرح ما يوكل إليهم من مقررات بأريحية لكي يستفيد منها طلابهم، أم ستصبح المسألة تحصيل حاصل؟
ج- مسألة ضم كليات إلى كليات كضم كلية الآداب بتخصصاتها المتنوعة إلى كلية التربية بتخصصاتها التربوية، السؤال: هل سيخلق هذا الضم والدمج نوعًا من التنافسية بين الكليتين، أم سيحدث نوع من الصراع بينهما، وسيأخذ الصراع عدة أوجه؟
الوجه الأول: صراع حول توزيع المقررات الدراسية بين الأساتذة.
الوجه الثاني: صراع في تولي المناصب الإدارية، فمن مثلاً سيترأس قسم الفلسفة في الآداب والتربية، وهل سيظل مسماه قسم الفلسفة؟ وهذا مشكل آخر سيجعل أساتذة الآداب يتمسكون بتسميته قسم الفلسفة، وقد يتمسك قسم الاجتماع بتسميته قسم الاجتماع، وهكذا، إذن سيحدث صراع.
الوجه الثالث: سيحدث صراع في متابعة العملية التعليمية، وسنفتح مجالاً للحزبية والشللية والقيل والقال، وهذا حضر محاضرته وآخر لم يحضر، ونقضي العام الدراسي في كتابة الشكاوى في بعضنا البعض، والنتيجة يكون الطالب هو الضحية.
إن قضية تطوير التعليم قضية شائكة لماذا؟ لأنها تخص مستقبل أجيال قادمة، فلا يمكن معالجتها بين عشية وضحاها، وإنما ضرورة ملحة للتروي والبحث والدراسة، ودراسة كل المقررات دراسة وافية.
ليس هذا وحسب بل وإرسالها للجامعات تمهيدًا لعرضها على الكليات ومن ثم عرضها على مجالس الأقسام لا لإحاطتهم بالعلم وإنما لإبداء الرأي والمشورة.
ثم عرض المقترح النهائي على مجلسي الشيوخ والنواب تمهيدًا لأخذ القرار المناسب بعد عرضه للنقاش المجتمعي.
فلا داعي للعجلة، فقد صبرنا أعوامًا كثيرة، فلنتروى ولنصبر قليلاً حتى نصل إلى بغيتنا من تطوير منظومة التعليم، إن أردنا حقًا إصلاحات حقيقية!
أستاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم الفلسفة بآداب العاصمة