لم يعد السؤال في العصر الرقمي من يملك البيانات، بل من يملك الخوارزمية التي تقرأها.
قبل أيام كشفت شركة (Microsoft ) عن وجود خلل تقني في أحد أبرز تطبيقات الشركة المرتبطة بتنفيذ العديد من الوظائف الأساسية بمعظم المؤسسات الحكومية والشركات وهو تطبيق (Microsoft 365)، وترتب علي ذلك توفير إمكانية تلخيص رسائل البريد إلكتروني المصنفة باعتبارها سرية داخل بعض المؤسسات بواسطة المساعد الذكي (Microsoft Copilot ) تلك الرسائل التي تعد محمية بسياسات أمنية تهدف إلى منع تسرب البيانات، وكان يفترض أن تبقى خارج نطاق أي معالجة آلية.
ومع ذلك، وبسبب خلل في طريقة تطبيق إعدادات الحماية، تمكن النظام الخوارزمي من الوصول إلى محتواها وإعادة إنتاجه في صورة ملخصات عند الطلب؛ قد يبدو ما حدث في ظاهره مجرد خطأ تقني في نظام برمجي معقد، غير أن هذه الواقعة تكشف عن تحول أعمق بكثير في طبيعة السلطة في العصر الرقمي، فالقضية لم تعد تتعلق فقط بحماية البيانات أو منع تسربها، بل أصبحت تتعلق بمن يملك القدرة على قراءة هذه البيانات وتحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام.
على مدى عقود طويلة اعتمدت المؤسسات على منظومات أمنية تقليدية لحماية معلوماتها: كلمات المرور، أنظمة التشفير، ومستويات الصلاحيات المختلفة داخل الأنظمة الرقمية. وكانت الفكرة الأساسية بسيطة: إذا أمكن التحكم في من يستطيع الوصول إلى البيانات، يمكن ضمان حمايتها، حيث كان الوصول إلى المعرفة داخل المؤسسات يمر عبر ثلاث طبقات واضحة: المستخدمون، والتطبيقات، ومديرو الأنظمة، لكن ظهور الذكاء الاصطناعي بدأ يغير هذه المعادلة بصورة جذرية.
فالخوارزميات الحديثة لا تتعامل مع البيانات بوصفها ملفات يجب نقلها أو نسخها، بل بوصفها مادة خام لإنتاج المعرفة. يكفي أن يمتلك النظام صلاحية القراءة حتى يصبح قادرًا على تلخيص المعلومات وربطها واستخلاص الأنماط منها وتحويلها إلى تقارير واستنتاجات، وهنا تظهر المفارقة الجديدة في عالم الذكاء الاصطناعي: قد تبقى الوثيقة الأصلية محمية داخل النظام، لكن مضمونها يمكن أن يظهر في صورة جديدة تنتجها الخوارزمية نفسها.
بهذا المعنى ظهرت طبقة رابعة قادرة على قراءة البنية المعرفية للمؤسسة بأكملها وإعادة تنظيمها في لحظات، حيث لم تعد الخوارزميات مجرد أداة تقنية تعمل في الخلفية، بل أصبحت وسيطًا معرفيًا داخل المؤسسات، فهي التي تقرأ البيانات وتعيد تنظيمها وتحدد في كثير من الأحيان كيف يتم تقديمها للمستخدمين، وهو ما يعني ظهور طبقة جديدة من السلطة لم تكن موجودة من قبل داخل البنية الرقمية للمؤسسات، وهي سلطة الخوارزميات التي تعمل وفق مجموعة من الأوامر البرمجية الخاصة بالشركة المنتجة لها ولا تخضع لأي من الأطر التنظيمية التي وضعتها المؤسسات لتأمين بينيتها المعلوماتية، وحوكمة تدوال المعلومات والبيانات بها.
ومن هنا تبرز قضية السيادة الخوارزمية، ففي عالم يعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي، لم تعد القوة الرقمية تتحدد فقط بامتلاك البيانات، بل بالقدرة على تشغيل الخوارزميات التي تعالج هذه البيانات وتعيد إنتاجها في صورة معرفة، هذه القدرة تتركز اليوم بدرجة كبيرة في يد عدد محدود من الشركات التكنولوجية العملاقة التي تطور البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وتدمجها داخل أنظمة العمل اليومية للمؤسسات حول العالم ومع توسع استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل الوثائق والبريد الإلكتروني وقواعد البيانات، تصبح الخوارزميات تدريجيًا بوابة الوصول إلى المعرفة نفسها. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بحماية البيانات، بل بالقدرة على التحكم في البنية الخوارزمية التي تقرأ هذه البيانات وتعيد إنتاجها.
ومن هنا لا ينبغي النظر إلي الواقعة المرتبطة بالمساعد الذكي (Microsoft Copilot) إليها باعتبارها مجرد خلل تقني عابر في أحد أنظمة Microsoft، بل بوصفها إشارة مبكرة إلى التحولات العميقة التي يشهدها النظام الرقمي العالمي، ففي عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد المعركة تدور فقط حول حماية البيانات أو منع تسربها، بل حول من يملك القدرة على تشغيل الخوارزميات التي تقرأ هذه البيانات وتعيد إنتاجها في صورة معرفة، فعندما تعتمد مؤسسة حكومية أو شركة استراتيجية على نظام خوارزمي خارجي لإدارة معرفتها الداخلية، فإن جزءًا من قدرتها على التحكم في المعرفة ينتقل عمليًا إلى البنية التقنية التي تدير هذا النظام، قد لا يحدث ذلك بصورة مباشرة أو مقصودة، لكن النتيجة النهائية تبقى واحدة: انتقال جزء من السيطرة على المعرفة من المؤسسة إلى المنصة الرقمية التي تدير الخوارزمية.
في عالم أصبحت فيه البيانات أحد أهم الموارد الاستراتيجية، يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس كيف نحمي البيانات، بل من يملك الخوارزمية التي تقرأها، ففي عالم يعتمد بشكل متزايد على منصات رقمية وخوارزميات مملوكة لشركات تكنولوجية عملاقة، قد تجد المؤسسات، بل وحتى الدول نفسها تعتمد على بنية معرفية لا تتحكم فيها بالكامل. هذه التحولات ترسخ مفهوم الاستعمار الرقمي. لأن من يملك الخوارزمية، يملك في النهاية القدرة على إعادة تشكيل المعرفة نفسها.