في العادة لا أميل إلى متابعة الأعمال الدرامية المأخوذة عن قصص حقيقية. أعلم أن الفن عمومًا، سواء كان أدبًا أم دراما يأخذ من الواقع ويعيد صياغته. لا خلاف. لكن الأحداث الواقعية التي تذيع وتنتشر بين الناس لا سيما قصص الجرائم البشعة أو الغريبة تفرض الدراما المأخوذة عنها نوعًا من المقارنة بين الواقع والخيال. وهذا ما لا أحبه، إذ يكسر بداخلي جدار الإيهام؛ عماد الفن وأساسه.
لكنني.. برغم هذا؛ أحببتُ مسلسل «حكاية نرجس» وشاهدتُه. ربما لأنني لم أكن قد تابعتُ بدقة تفاصيل الواقعة الحقيقية لسيدة اعتادت خطف الأطفال في الإسكندرية، ونسبتْ لنفسها طفلًا عاش معها عمرًا باعتبار أنه ابنها على خلاف الحقيقة. وربما أيضًا - وهذا هو الأهم- بسبب تكامل كل عناصر العمل الفني؛ كتابةً وإخراجًا وتمثيلًا.
بفضل هذا المسلسل، أستطيع أن أقول إننا ربحنا كاتبًا دراميًّا مهمًّا، هو عمار صبري، الذي كان نجم الكتابة الدرامية في الموسم الرمضاني هذا العام، بعد «حكاية نرجس» وقبله في النصف الأول من الشهر مسلسل «صحاب الأرض»، كما ربحنا مخرجًا متمكنًا يعمل بأسلوب الكبار في زمن الفن الأصيل، يعتني بالتفاصيل، يعمل بطريقةٍ «على قديمه»، هو المخرج الجديد المتميز سامح علاء.
في التمثيل، قدَّم كل أبطال العمل أجمل ما لديهم، وكالعادة منحت البطلة ريهام عبدالغفور دروسًا خاصة في الأداء التمثيلي ببساطة، دونما لجان داعمة على السوشيال ميديا أو ادعاءات بالتفوق والريادة، إنما هو الإتقان فقط، وتلبس الشخصية، بكل خلجات نفسها وجوارح جسدها، بالعينين واليدين والمشية، بالابتسامة القلقة والدمعة المحبوسة.
كما ربحنا بطلًا أحببناه سابقًا في أعمال كثيرة، ونال ما يستحقه أخيرًا في لعب أدوار البطولة، هو الفنان الجميل حمزة العيلي، الذي قدَّم شخصية «عوني»، الزوج المحب، الحائر المضطرب بسبب سلوك زوجته، منقِّلًا ملامح وجهه ونظرات عينيه بين العاشق الراضي والغاضب المنكسر، دون افتعال أو مبالغة.
وكعادتي مع الأعمال الناجحة في مختلف عناصرها، تجذبني دائمًا الفكرة؛ فأنظر كيف تم تقديمها والتعبير عنها، كيف تم رسم ملامح الشخصيات ومساراتها بما قادها إلى مصائرها. أنحاز إلى الكتابة فتجذبني لأناقشها، أتفاعل مع النص؛ أساس العمل الفني وقاعدته الحاملة.
وعندما فعلتُ؛ عندما غصتُ في تفاصيل الصراع ومستوياته المتعددة؛ وجدتُ أن الحب هو الأساس؛ وجوده بشكل طاغٍ أو غيابه بصورة مؤثرة؛ ليغدو في الحالتين - عندما يختل ميزانه- عنصر تدمير لا قوة دافعة.
البطلة «نرجس» التي لا تنجب، عانت من غياب الحب في حياتها. نشأت في كنف أم لا تحب البنات، لعبت دورها الفنانة العظيمة ذات البصمة دائمًا سماح أنور، التي تقول لابنتها صراحةً إنها كانت تتمنى أن يكون لها ابنٌ ولد تقايضه ببناتها الثلاث حتى بعد أن كبرن وتزوجن، وإن «نرجس» لا يحق لها أن تفتح فمها بكلمة، بل يجب أن ترضى بأي مصير لها بعد أن طلقها زوجها الأول بسبب عدم إنجابها.
كان ذلك دافعًا للبطلة لأن تسعى إلى استرداد شعورها بذاتها وكيانها، وإن يكن عبر ارتكاب الجرائم وخطف الأطفال، والادعاء بأنهم من صلبها، والعمل على تحطيم أي عائق يفسد عليها خطتها، بما في ذلك تركها حماتها، أم زوجها الثاني، المريضة، الفنانة عارفة عبدالرسول، تموت أمامها دون أن تنقذها، بعد أن شعرت بأنها على وشك أن تكشف ألاعيبها.
البطل «عوني»، الزوج الثاني لـ«نرجس»، الذي أحبها وتمنى الارتباط بها منذ الصغر، عانى أيضًا من غياب الإحساس بحب الأم، وظل يشعر بأنها تُفضِّل أخاه عليه، وتواجه عناده وهو طفل بعنادأكبر: «كأن كيفها تكسر كلمتي»، أو كما لخَّص علاقته بها في هذه الجملة الحوارية البديعة: «عمرنا ما فهمنا بعض.. مع إن المحبة موجودة.. بس مستخبية.. الله يرحمك يا أَمة».
لم تُعبر أمه له صراحةً عن حبها، لا بحضن أو حنان أو كلمة طيبة، إنما كان هناك فقط التوجيه والتقريع والانتقاد؛ الوصاية الدائمة. لذلك؛ لم يصدق أن «نرجس» يمكن أن تحبه وتوافق على الزواج به. وعندما فعلتْ؛ عندما ظفر بالحب المفقود في حياته؛ سار خلفها معصوب العينين، وغضَّ الطرف -برغم غضبه واعتراضه- عن جرائمها، مما قاده إلى مصيره المقترن بمصيرها.
«هدى» الشقيقة الصغرى لـ«نرجس»، التي لعبت دورها بإجادة الفنانة الشابة بسنت أبو باشا، كانت على العكس من أختها؛ حصدت وحدها حب الأم التي كانت دائمة الإشادة بها عند مقارنتها بشقيقتيها. اعتادت الأخذ فقط، ولذلك ربما افتقدت العطاء؛ افتقدت أن تمنح هي حبها لأحد.
وعندما فعلتْ؛ اختار قلبها شخصًا لا يستحق، هو «سعد»، الذي أجاد الفنان تامر نبيل أيضًا لعب شخصيته. أحبته بشدة فاستغلها، واستولى على أموالها ليؤسس شقة الزوجية. اضطرت -بدافع الحب- إلى مسايرته -رغمًا عنها- في جرائمه، ودعمته في خطة ابتزاز أختها «نرجس» بعد أن عرف سرها، كي تخطف له طفلًا ليبيعه، إرضاءً لطمعه وشراهته، مما قادها أيضًا إلى مصيرها المقترن بمصيره.
كل التحية لصناع العمل بالكامل، فقد أجاد الفنانون أداء أدوارهم بدقة، وقدموا شخصيات طبيعية بدت أمام أعين المشاهدين حقيقية، بفضل سيناريو محكم وإخراج متميز. التحية للفنانين أحمد عزمي ودنيا ماهر ومجدي السباعي وإلهام وجدي وأشرف مهدي والشاب أنس جمال. وتحية خاصة -مستحقة دائمًا- للموسيقار الكبير تامر كروان مؤلف موسيقى المسلسل التي أضفت على العمل غموضًا وعمقًا وألقًا وإثارة.
الحب؛ بالانغماس فيه أو افتقاده، هو أساسٌ في «حكاية نرجس»، وهو ما دمَّر حياة البطلة التي اعتادت الانكفاء على «ماكينة الخياطة» لحياكة كتلة قطنية تضعها على بطنها كي تبدو في صورة امرأة حامل قبل الإقدام على أي جريمة لها، فتحولت مع الزمن إلى «شلال هادر»، كذاك الذي ظهرت صورته في لوحة تعلو رأسها خلال حياكتها بطنها الوهمية ورسم «باترونات» خططها الإجرامية، بينما يقف «عوني» عاجزًا أمامها، لا يقوى على ردعها، غير قادر سوى على أن يكون «عونًا» لها في طريقها.
أحب المصريون مسلسل «حكاية نرجس»، وتابعوه جيدًا، أعجبوا بتفاصيله وعناصره، فراحوا يستعيدون الواقعة الحقيقية التي قامت عليها أحداث حياة بطلتها، لكن ذلك ليس هو المهم في الدراما.
المهم أن يقرأ المشاهدون الأفكار العميقة القابعة بين السطور، أن يعبروا عن الحب بوضوحٍ لمن يحبون، أن يدركوا أن كلمة غاضبة أو جملة عابرة قد تفسد نفوس الأبناء وتغير مسارات حيواتهم، فتقودهم بعد سنين كثيرة إلى مصائر مجهولة. أحلم بذلك وأتمنى في طبائع المشاهدة، حتى يكون الفن فاعلًا ومؤثرًا، وليس مادة لقضاء الوقت والتسلية بعد تناول طعام الإفطار.. هلَّا تفعلون؟