ستتوقف الحرب الدائرة بين إيران من جانب والولايات المتحدة وإسرائيل من جانب آخر قريبًا أو بعد قليل، وآثار هذه الحرب لن تكون على دول المنطقة فحسب، ولن تنحصر في أعداد قتلى أو مبانٍ تهدمت وأُحرقت، بل إن آثارها الاقتصادية والاجتماعية ستمتد معنا إلى سنوات عدة مقبلة.
فعلى مستوى الدول العربية الخليجية، تم ترسيخ فكرة العدوان على أراضيها من الجانب الإيراني، الأمر الذي سيعمق بكل تأكيد هوة الخلاف القائم مع هذا النظام الذي لا يزال يعيش على فكرة تصدير المشكلات وزرع أصابعه في مختلف دول المنطقة العربية تحت شعار تصدير الثورة الإسلامية، وشعار آخر يتردد في قنواتهم وإعلامهم يسمى الميليشيات المسلحة والمدعومة من النظام الإيراني في العراق ولبنان واليمن بمحور المقاومة!! وليس من المستغرب أن تنضم إلى هذا المحور فلول جماعة الإخوان المسلمين في مختلف دول المنطقة، إلى جانب بعض التيارات التي تحمل شعارات يسارية.
قبل أن نسترسل دعونا نؤكد أنه ليس معنى هذا التحليل انحيازنا إلى الجانب الأمريكي – الإسرائيلي، بل موقفنا واضح وضوح الشمس مع الحل الكامل للقضية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، معدوم الإنسانية، للأراضي العربية، وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس.
لكن بعد أن تضع الحرب أوزارها وتهدأ الصواريخ والمسيرات، لن يعود الوضع في المنطقة العربية كما كان قبل الحرب، وذلك بسبب ما جرى من اعتداء إيراني على الدول العربية الخليجية التي أكدت مرارًا وتكرارًا قبل اشتعال الصراع المسلح أنها لن تسمح باستخدام أراضيها في الاعتداء على الدول المجاورة، ورغم ذلك راح النظام الإيراني يمطر سماوات الدول العربية الخليجية بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة.
فما حدث عمَّق هوة الخلاف القائم بالفعل بين مختلف الدول العربية الخليجية والنظام الإيراني القائم، ولا أعتقد أن هذا الخلاف سيُحل بسهولة، فضلاً عن الجماعات والأحزاب المعدودة من هذا النظام في العراق ولبنان واليمن وما تفعله من محاولات شق الصف في الدول التي يتركز فيها نشاطها وفي الإقليم ككل، أصبح أمرًا غير مقبول ولا مبررًا.
لهذا، قد نرى في المستقبل القريب قيام بعض الدول بالدخول في تحالفات عسكرية وسياسية لزيادة التأمين، وقد نرى أيضًا مواجهات قوية مع توابع إيران في المنطقة ككل، هذا على المستوى السياسي.
على المستوى الاقتصادي، فما حدث من تهديدات متطايرة في كل جانب بإغلاق مضيق هرمز، بل استهداف ناقلات النفط ورشقها بالمسيرات والصواريخ البالستية، واستهداف كبرى مناطق استخراج وتحويل البترول وموانئ الشحن في مختلف الدول العربية الخليجية، هذا الأمر الذي رفع أسعار النفط العالمي بصورة كبيرة، خاصة أن بعضًا من الدول الصناعية الكبرى بدأت في ضخ البترول من الاحتياطي الإستراتيجي لها في سابقة لا تتكرر إلا في الكوارث الكبرى.
فما حدث سيغير بكل تأكيد خطط الدول المنتجة للنفط وأيضًا الدول المستهلكة، وبكل تأكيد في خطوط الإمداد التي تأثرت بشدة بعد تسارع الأحداث في مضيق هرمز، هذا على المستوى الاقتصادي بعيد الأجل.
على المستوى الاقتصادي قصير الأجل، فما حدث من ارتفاع في أسعار النفط سيؤثر سلبًا بلا شك في موازنات كل الدول سواء، خاصة المستهلكة للنفط، فضلاً عن أن الدول الكبرى اضطرت إلى السحب من احتياطياتها، الأمر الذي سيلزم تعويض هذه الاحتياطيات لاحقًا، فضلاً عن أن ارتفاع أسعار النفط إلى جانب ارتفاع الخدمات التأمينية المصاحبة لعمليات النقل سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع في أسعار جميع السلع؛ سواء صناعية أو زراعية ليدخل العالم دائرة تضخمية صعبة.
لهذا، كان حديث السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي في حفل إفطار الأسرة المصرية بمثابة وضع النقاط على الحروف، وهو هنا يخاطب الأسرة المصرية، وبالمناسبة حديث الرئيس واحد، فليس له خطابان كما اعتاد بعضهم تخصيص خطاب للداخل وخطاب آخر للخارج.
وكعادته بكل صراحة ووضوح، أكد أن منطقتنا اليوم تقف على مفترق طرق تاريخي تواجه تحديات جسيمة ومتغيرات متسارعة، في ظرف استثنائي بالغ الدقة.
مشيرًا إلى أن مصر تبذل قصارى الجهد، لإخماد نيران الحرب في منطقة الخليج العربي، مؤكدًا أن تلك الحرب تحمل تداعيات اقتصادية وإنسانية وأمنية عاصفة، لا يملك أحد القدرة على درئها، وستطول الجميع بلا استثناء. في الوقت ذاته، نعمل على خفض التصعيد في باقي الدول العربية التي تشهد صراعات ونزاعات مسلحة، سواء في الشرق أو الغرب أو حتى في جنوب مصر.
جدد السيد الرئيس موقف مصر القاطع بإدانة الاعتداءات التي تتعرض لها الدول العربية الشقيقة، مؤكدًا دعم مصر الكامل والراسخ لأشقائها العرب، وتعيد الدعوة إلى خفض التصعيد، وتغليب لغة الحوار والعقل، وضرورة الالتزام بأحكام القانون الدولي العام، والقانون الإنساني الدولي.
أشار السيد الرئيس إلى أن هذه الحرب ألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي، فأصابت سلاسل الإمداد بالاضطراب، وأشعلت أسعار الطاقة والغذاء في العالم أجمع، ولم تكن مصر بمنأى عن هذه التداعيات.
مشيرًا إلى أن هذه الظروف، إلى جانب ما تشهده المنطقة من حروب في غزة وإيران، قد فرضت على الحكومة اتخاذ إجراءات اقتصادية ضرورية، لضمان استمرار توفير السلع الإستراتيجية، وصون استقرار الاقتصاد الوطني، وحماية مقدرات الشعب المصري.
أكد السيد الرئيس بكل وضوح أن الدولة تدرك تمام الإدراك، حجم الضغوط التي يتحملها المواطن المصري في هذه الظروف، وأعلم أن هناك مشاعر سلبية، إزاء رفع أسعار المنتجات البترولية مؤخرًا، وهو أمر لم تكن الدولة لترغب في تحميل الشعب تبعاته ومعاناته، غير أن مقتضيات الواقع تفرض أحيانًا اتخاذ إجراءات صعبة لا بديل عنها، لتفادي خيارات أشد قسوة وأخطر عاقبة.
أشار السيد الرئيس إلى أنه حرص على عقد إفطار الأسرة المصرية للقاء الأسر والمواطنين وتوضيح الأمور، مؤكدًا ضرورة تقديم الشرح اللازم للمواطنين ومراعاة الشفافية التامة، مبديًا استعداد الحكومة لتلقي أي اقتراحات مدروسة تسهم في حل أي مشكلة.
مشددًا سيادته على ضرورة تماسك المصريين، حيث قال: "يجب أن نكون مع بعض ويجب أن نخلي بالنا لأن المنطقة تتغير…. وأن بعض البلاد تضيع بسبب حسابات خاطئة". مؤكدًا استمرار الدولة وحرصها على تجنب رفع أسعار السلع الأساسية، ومواصلة مراقبة الأسواق لمنع أي استغلال.
مطالبًا الحكومة بضرورة التدقيق الصارم في هذا الأمر، والتعامل الجاد مع كل من يثبت تورطه في الاستغلال وتقديمه للمحاكمة، وكنت قد قلت أن تتم إحالة المخالفين للمحاكمة العسكرية.
أكد الرئيس أنه أصدر تعليماته للحكومة بالإسراع في إطلاق حزمة اجتماعية جديدة، تستهدف الفئات الأولى بالرعاية؛ ومحدودي ومتوسطي الدخل، بما يضمن تحقيق قدر أكبر من الحماية الاجتماعية، في هذه المرحلة الدقيقة.
هذا هو نهج السيد الرئيس الدائم في وضع النقاط على الحروف وتوضيح الحقائق. أخيرًا، علينا جميعًا الانتباه والتيقظ جيدًا، ففي هذه الأوقات التي تشتعل فيها الصراعات والحروب يستغلها أهل الشر لنشر المخاوف والشائعات والأكاذيب، وملاذهم هو صفحات السوشيال ميديا.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
حفظ الله مصر، وحفظ شعبها، وجيشها، وقائدها.