بقلم الدكتور أسامة الحديدي، مدير عام مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
موضوعات مقترحة
يشعرُ بعضُ النَّاس، مع دنوِّ انتهاءِ شهرِ رمضان، بمزيجٍ من الشَّوقِ إلى اغتنامِ ما تبقَّى من هذه الأوقاتِ الفاضلةِ والخوف من فوات فرصه؛ ولذلك يقومون بحشدِ جميعِ طاقاتهم لاستثمارِ ما تبقَّى من هذه الأوقاتِ المباركة.
ومن هنا أردتُ أن ألْفِتَ انتباهَ المسلمِ، من خلالِ هذا المنبرِ الكريمِ، إلى عددٍ من الأمورِ؛ حتى يتسنَّى لمن لم يُوَفَّق فيما مضى من هذا الشَّهرِ أن يعودَ إلى قوافلِ وركبِ الذين أعتقهم اللهُ تعالى من النَّارِ، ورزقهم القبولَ، وامتلأت سجلاتُهم بالحسناتِ والثوابِ؛ إذ إنَّ ما لا يُدرَكُ كلُّه لا يُترَكُ كلُّه، وكذلك لمن وفقهم الله تعالى فى رمضان بالطاعات والقربات.
في البداية على المسلم ألا تملكه شعورِ باليأس تجاهَ أيِّ تقصيرٍ؛ فما زالت أوقات الشهر الكريم تظلنا وتستطيع أن تدرك بعضًا مما فاتك، فإذا لم تُقبِلْ على التصدُّقِ من قبلُ، فعليك بالمبادرةِ سريعًا بإخراجِ الصَّدقةِ لمستحقِّيها، ولو بمبلغٍ قليلٍ أو بقدر استطاعتك.
وإذا لم تستطعْ أن تختمَ القرآنَ الكريمَ كاملًا، فداوم فيما تبقى على القراءةِ والتدبُّرِ، ولو لآياتٍ منه.
كذلك من أهمِّ الأمورِ التي تبعثُ السَّكينةَ والسَّلامَ النَّفسيَّ: الخشوعُ في ركعاتٍ في جوفِ اللَّيلِ، في هذه الأوقاتِ الفاضلةِ، بقلبٍ صافٍ وذهنٍ سليمٍ.
ثمَّ استثمر أنوارَ وفيوضاتِ اللَّيالي العشرِ، وليلةِ القدرِ التي تعدلُ العبادةُ فيها ألفَ شهرٍ؛ فإنَّ اغتنامَ هذه اللَّيالي في ركعاتِ قيامٍ للهِ تعالى تهدأُ به النَّفسُ، وتعرجُ به الرُّوحُ إلى اللهِ تعالى.
وإذا غفلتَ عن الدُّعاءِ، فاستحضرْ جوامعَ الدُّعاءِ وما تتمنَّاه من ربِّك، وسارع بالدُّعاءِ به؛ فقد علَّم النبيُّ ﷺ أمَّتَه دعاءً يجمعُ ما تحتاجه النُّفوسُ والأجسادُ، عندما قالت السَّيدةُ عائشةُ رضي اللهُ عنها: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ إن وافقتُ ليلةَ القدرِ، ماذا أقولُ فيها؟ فقال لها: «قولي: اللهمَّ إنَّك عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي».
وادعُ اللهَ بقبولِ عملِك، واجعلْ لسانَك يلهجُ بالدُّعاءِ للهِ، وقلبَك موقنًا بالإجابةِ.
واعلم أنَّ اللهَ إذا أقبلتَ عليه أقبلَ عليك أكثرَ من إقبالِك عليه سبحانه وتعالى.
ففي الحديثِ القدسيِّ الذي رواه الإمامُ البخاريُّ في صحيحه عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ عن ربِّ العزَّةِ تباركَ وتعالى: « أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». وفي هذا الحديثِ إشارةٌ إلى أنَّ إقبالَ اللهِ على العبدِ إذا أقبلَ العبدُ عليه سبحانه وتعالى يكونُ أكثرَ من إقبالِ العبدِ عليه.
ثمَّ استغفرِ اللهَ تعالى بالأسحارِ، واجبرْ كلَّ ما وقع من خللٍ أو زللٍ في شهرك وعبادتك في هذا الشَّهرِ؛ فالاستغفارُ يجبرُ النَّقصَ، ويمحو السَّيِّئاتِ، ويزيدُ الحسناتِ، ويُفرِّجُ اللهُ به الكربات.
وتذلَّلْ للهِ تعالى بقلبٍ خاضعٍ خاشعٍ، واطلبْ منه العونَ والمددَ؛ فاللهُ لا ينظرُ إلى الأجسادِ ولكن ينظرُ إلى القلوبِ والأعمال.
واحفظ جوارحك عن كل ما يخل بفريضة الصيام وسننها وآدابها.
وبادر بفعل ما تستطيعه من أعمال القربات كالصلة والتكافل والتعاون على البر، ووجوه الخير كلها.
إنَّ الخسارةَ الكبرى من رمضانَ أن ينتهيَ ولم تُودِعْ في خزائنِ أعمالِك إلا القليلَ من الأعمالِ الصَّالحةِ؛ فبادرْ قبل فواتِ الأوان.
وعلى الجانبِ الآخرِ، أوضِّحُ لمن وفَّقهم اللهُ تعالى للصيامِ والصلاةِ والقيامِ والصدقاتِ: إذا أتمَّ اللهُ عليك العملَ الصالحَ ووفَّقك له، فعليك ألَّا تستكثرَ عملَك الذي قمتَ به من الصالحاتِ، بل يجبُ عليك الشكرُ والحمدُ له سبحانه وتعالى؛ حتى يزيدَك اللهُ من فضلِه. فإذا نظرتَ إلى رسولِنا ﷺ، وجدته كان يصلِّي حتى تورَّمت قدماه؛ فلما سألته السَّيدةُ عائشةُ رضي اللهُ عنها عن ذلك، قال لها: «أفلا أكونُ عبدًا شكورًا». ففيما رواه البخاريُّ عن السَّيدةِ عائشةَ رضي اللهُ عنها قالت: «كانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هذا يا رَسولَ اللَّهِ، وقدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ؟ قالَ: أفلا أُحِبُّ أنْ أكونَ عَبْدًا شَكُورًا».
أفلا يكونُ رسولُنا الكريمُ ﷺ قدوتَنا وأسوتَنا نتعلَّمُ منه، وهو من هو صلى اللهُ عليه وآله وسلم؟
ولا تستكثرْ عملَك؛ بل تأسَ بما كان يفعله صحابتُه الكرامُ من عبادةٍ واجتهادٍ؛ فمنهم من كان يختمُ القرآنَ في ركعاتٍ معدودةٍ من جوفِ الليلِ، وآخرون يصلُّون طوالَ ليلِهم، وآخرون يتصدَّقون بفضلِ مالِهم كلِّه، وآخرون يذكرون اللهَ ولا يفترون.
إنَّ أصدقَ دليلٍ على صدقِ الصادقين مع اللهِ تعالى أن يظلوا معه، وألَّا يكونَ منهجُهم في العبادةِ الاستسلام لفواتِ فرصةٍ؛ فما زال الوقتُ بين يديك، وإن قلَّ، حتى تنقضيَ آخرُ لحظاتِ الشَّهرِ الكريم.
كما لا ينبغي أن تكونَ عابدا في رمضان فقط، ثم إذا انتهى رجعتَ لما كنتَ عليه؛ فذلك مما حذَّرنا اللهُ تعالى ورسولُه منه، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل: 92]. فاعلموا أنَّ العبرةَ بالخواتيمِ والنِّهايات.