لا تزال صفارات الإنذار تدوي في الأجواء، ولا يزال الهجوم المتبادل بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران على الضفة المقابلة، مستمرًا حتى هذه اللحظة، ولا تزال المسيرات تحلق في سماوات الشرق، في مشهد يكشف أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة المواجهة المفتوحة، وقد شهدت جبهة الصراع تصعيدًا لافتًا؛ إذ نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل سلسلة ضربات جوية وصاروخية استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت مرتبطة بالبرنامج الصاروخي والبنية الدفاعية داخل إيران، في إطار عملية واسعة قيل إنها شملت مئات الأهداف العسكرية والبنى التحتية المرتبطة بالقدرات الاستراتيجية الإيرانية.
وفي المقابل تواصل طهران إطلاق موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف داخل الكيان المحتل وقواعد ومصالح أمريكية في المنطقة، مع تقارير عن استهداف منشآت بحرية وناقلات مرتبطة بالقوات الأمريكية، في محاولة لإظهار أن المعركة لن تبقى داخل حدودها الجغرافية بل ستتمدّد إلى فضاء إقليمي أوسع.
تتكثف الضربات وتتبادل الرسائل بالنار، فيما يترقب العالم ما إذا كانت هذه الجولة ستظل ضمن حدود الحرب المحدودة أم أنها تمضي بالمنطقة نحو مواجهة أوسع قد تعيد رسم خرائط القوة في الإقليم، إذ لا يبدو أن أياً من أطراف الصراع مستعد للتراجع في هذه المرحلة، بل إن الخطاب السياسي والعسكري الصادر من هنا وهناك يعكس قدرًا واضحًا من الإصرار على مواصلة المواجهة. فقد أكدت واشنطن بلسان ترمب المتخبط أن عملياتها العسكرية ستستمر ما دامت تعتبر أن التهديد الإيراني قائم، مشددة على أن الهدف هو "إعادة تثبيت الردع"، ومنع إيران من توسيع نفوذها أو تطوير قدراتها العسكرية بما يهدد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، كما تخرج التصريحات من قادة الكيان المحتل تؤكد أن العمليات العسكرية لن تتوقف قبل توجيه ضربة قاسية للبنية العسكرية الإيرانية، في إشارة واضحة إلى أن تل أبيب ترى في هذه الحرب فرصة لإعادة صياغة ميزان القوة الإقليمي وإبعاد الخطر الذي تعتبره وجوديًا. على الجانب الآخر، جاء الرد الإيراني حادًا ومباشرًا، إذ أعلنت طهران أن ما يجري ليس سوى عدوان يستوجب الرد، مؤكدة أن عملياتها العسكرية ستتواصل ما دام الهجوم مستمرًا.
وأكد الحرس الثوري الذي يقود الدفة الآن، أن بلادهم لن تقبل بفرض معادلات جديدة بالقوة، وأنها مستعدة لتحمل كُلفة المواجهة دفاعًا عما تصفه بسيادتها وأمنها القومي. وبذلك يتضح أن الأزمة لم تعد مجرد جولة عسكرية عابرة، بل إنها صراع إرادات مفتوح، يتمسك فيه كل طرف بخياره التصعيدي على أمل أن ينجح الضغط العسكري في كسر إرادة الطرف الآخر أو دفعه إلى التراجع.
كشفت هذه المواجهة عن الحسابات الإستراتيجية للقوى العالمية الكبرى، ولا سيما الصين وروسيا،إذ تحافظ كلتا الدولتين على علاقات متينة مع إيران، وتتنافسان جيوسياسياً مع واشنطن، غير أن ردود أفعالهما على الحرب تكشف عن استراتيجية دقيقة، مفادها انتقادات دبلوماسية حادة للولايات المتحدة وإسرائيل، ودعم محدود لإيران.
تعكس هذه الاستراتيجية حقيقة أن لكلتا القوتين أولويات استراتيجية أوسع فروسيا لا تزال منخرطة بعمق في الحرب في أوكرانيا، بينما تركز الصين على الاستقرار الاقتصادي وشبكاتها التجارية العالمية، وقد أدانت موسكو الهجمات على إيران ودعت إلى مفاوضات دبلوماسية، واضعةً نفسها كوسيط محتمل في النزاع، وتشير تقارير إلى أن روسيا قدمت دعمًا استخباراتيًا ولوجستيًا لإيران، بما في ذلك بيانات عن التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة، وربما ساعدت هذه المعلومات القوات الإيرانية على تتبع السفن الحربية والطائرات الأمريكية العاملة في الشرق الأوسط، وتجنّبت روسيا إرسال قوات أو الانخراط مباشرةً في القتال لأن مواردها العسكرية تتركز تجاه أوكرانيا، ومن شأن فتح جبهة أخرى أن يُرهق قدراتها.
كان رد فعل الصين أكثر انضباطًا وتركز بشكل شبه كامل على الدبلوماسية، إذ دعت بكين إلى وقف فوري لإطلاق النار، وحذرت من محاولات الإطاحة بالحكومة الإيرانية، مؤكدةً ضرورة الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، كما أطلقت مبادرات دبلوماسية تهدف إلى التوسط بين الأطراف المتحاربة، ولعل هذا النهج المتعقل من جهة بكين يرجع إلى ترجيح كفة المصالح الاقتصادية، التي ربما كانت هذه الحرب وسيلة لضربها من قبل واشنطن، فإيران مورد رئيسي للطاقة إلى الصين، وأي حرب إقليمية واسعة النطاق تعرقل تدفقات النفط أو الشحن البحري تضر بشكل مباشر بالنمو الاقتصادي الصيني، ومن هنا تتركز استراتيجية الصين على إدارة الصراع بدلاً من المواجهة أو أي خطوة قد تشعل فتيل صدام جيوسياسي مباشر مع الولايات المتحدة.
بينما تشتعل الأجواء في الشرق وتتصاعد وتيرة الضربات بين الأطراف المتصارعة، يبرز هذا ال تعاون الهادئ بين بكين وموسكو، وتنسيق مواقفهما الدبلوماسية، وربما أسهم تبادل التكنولوجيا والمعلومات الاستخباراتية، بالإضافة إلى مساعدات عسكرية محدودة من كليهما، في مساعدة طهران للحفاظ على قدراتها الدفاعية دون تصعيد الحرب إلى صراع مباشر بين القوى في محاولة لتحقيق توازن أوسع في معادلة السياسة الدولية، بين محاولات إنقاذ الاقتصاد العالمي من اضطرابات قد تودي بالجميع إلى مهاوي التخبط الاقتصادي، وفي الوقت ذاته الحيلولة دون ضلوع واشنطن في الهيمنة المطلقة على الشؤون العالمية، في ظل صعود أقطاب أخرى تسعى بالسياسات المعتدلة لإثبات وجودها ومواصلة تفوقها.