ترامب وهرمز.. تحول الحرب إلى اختبار لولاء الحلفاء

16-3-2026 | 15:38

في حوار قصير لم يتجاوز ثماني دقائق مع صحيفة الفاينانشيال تايمز، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما قد يتجنب كثير من القادة قوله علنًا لسنوات. لم يكن الحوار مجرد تعليق على الحرب الدائرة مع إيران، بل كشف تصورًا أعمق لطبيعة التحالفات الدولية وحدودها. فترامب لم يكتف بالدعوة إلى جهد دولي لتأمين المرور عبر مضيق هرمز، بل ربط مستقبل "حلف شمال الأطلنطي" نفسه بمدى استعداد الحلفاء للمشاركة في هذا الجهد العسكري. في تلك اللحظة لم تعد القضية مجرد عملية بحرية لتأمين الملاحة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لشكل النظام الدولي، وذلك من زاوية هل ما زالت التحالفات تقوم على التضامن السياسي، أم أنها تتحول تدريجيًا إلى ترتيبات أمنية قائمة على تقاسم التكلفة والمخاطر؟

هذا الطرح يعكس تحولًا مهمًا في الخطاب السياسي الأمريكي، فبدلًا من تقديم التحالفات باعتبارها منظومة قيمية قائمة على الدفاع المشترك عن الديمقراطية والاستقرار الدولي، يعيد ترامب تعريفها في إطار أكثر براجماتية، تحالفات تقوم على حسابات المصلحة المباشرة وتقاسم الأعباء. وفي ظل هذا المنطق تصبح الأزمة الحالية في الخليج اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الولايات المتحدة على تحويل نفوذها السياسي إلى التزام عسكري فعلي من جانب الحلفاء.

استهداف الناقلات والسفن في الخليج العربي

كشف الحوار أيضًا عن منطق إستراتيجي أوسع يحكم طريقة إدارة الحرب، فالمعركة بالنسبة لترامب ليست فقط مواجهة عسكرية مع إيران، بل اختبار أوسع لمدى استعداد القوى الكبرى -من أوروبا إلى آسيا- لتحمل مسؤولية حماية النظام الاقتصادي العالمي الذي تستفيد منه. ومن هذه الزاوية يتحول الصراع في الخليج إلى لحظة كاشفة لطبيعة النظام الدولي نفسه في مرحلة انتقالية تتزايد فيها الشكوك حول قدرة الولايات المتحدة على قيادة التحالفات التقليدية.وفيما يلي تحليل للحوار نستعرضه من خلال المحاور التالية:

أولًا: مضيق هرمز.. نقطة الاختناق في الاقتصاد العالمي

يمثل "مضيق هرمز" أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية من الناحية الجيوسياسية، فهذا المضيق الضيق الذي يفصل بين إيران وسلطنة عمان يشكل البوابة الرئيسية التي يخرج عبرها نفط الخليج إلى الأسواق العالمية. ولذلك فإن أي اضطراب في الملاحة هناك لا يمثلأزمة إقليمية محدودة، بل يتحول فورًا إلى قضية اقتصادية عالمية تمس استقرار أسواق الطاقة. تكمن خطورة المضيق في أنه يمثل ما يسميه خبراء الإستراتيجية البحرية "نقطة اختناق"، أي ممر ضيق تمر عبره كميات ضخمة من التجارة العالمية، بحيث يصبح تعطيله -ولو لفترة قصيرة-قادرًا على إحداث اضطراب واسع في سلاسل الإمداد. وفي حالة مضيق هرمز تتضاعف هذه الأهمية لأن الجزء الأكبر من صادرات النفط من دول الخليج يمر عبره قبل أن يتجه إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.

استهداف إسرائيل

ولهذا السبب، فإن أي تصعيد عسكري في المنطقة ينعكس فورًا على أسعار النفط وعلى توقعات الأسواق المالية. فالمستثمرون يدركون أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق قد يؤدي إلى نقص كبير في المعروض العالمي من الطاقة، وهو ما يفسر الارتفاعات السريعة التي غالبًا ما تشهدها أسعار النفط مع كل أزمة في المنطقة.

في هذا السياق تبدو الإستراتيجية الإيرانية مفهومة إلى حد كبير، فطهران تدرك أن ميزان القوة العسكرية التقليدية لا يميل لصالحها في مواجهة الولايات المتحدة أو القوى الغربية مجتمعة. لكنها في المقابل تمتلك أدوات تسمح لها بتهديد نقطة ضعف أساسية في النظام الاقتصادي العالمي، والذي يتمثل في "أمن الممرات البحرية". ففي الحروب غير المتكافئة لا يسعى الطرف الأضعف عادة إلى تحقيق انتصار عسكري شامل، بل يركز على استخدام أدوات منخفضة التكلفة لإحداث أكبر قدر ممكن من التأثير الإستراتيجي. ومن هذه الزاوية يصبح المضيق بالنسبة لإيران وسيلة ضغط فعالة قادرة على تحويل حرب إقليمية محدودة إلى أزمة اقتصادية عالمية تتجاوز حدود الخليج.

القواعد الأمريكية

ثانيًا: من حرب أمريكية إلى عبء دولي

أحد أهم الرسائل التي حملها الحوار هو محاولة واشنطن إعادة تعريف طبيعة الحرب نفسها، فبدلًا من أن تكون مواجهة تقودها الولايات المتحدة ضد إيران، يسعى ترامب إلى تحويلها إلى جهد دولي واسع تشارك فيه القوى التي تعتمد على استقرار الملاحة في الخليج. الفكرة التي طرحها ترامب تقوم على منطق بسيط لكنه يحمل دلالات سياسية عميقة، ففي تصوره في هذا التوقيت ينبغي على الدول التي تستفيد من تدفق النفط عبر المضيق أن تتحمل أيضًا جزءًا من تكلفة تأمين هذا الطريق البحري. ومن هذا المنطلق يصبح من الطبيعي -من وجهة النظر الترامبية- أن تشارك القوى الاقتصادية الكبرى في العمليات البحرية والعسكرية، الرامية إلى ضمان حرية وأمن الملاحة.

هذه المقاربة تعكس تحولًا في التفكير الإستراتيجي الأمريكي، فخلال عقود طويلة لعبت الولايات المتحدة دور الضامن الرئيسي لأمن الممرات البحرية العالمية. لكن مع تصاعد تكاليف هذا الدور، وازدياد اعتماد الاقتصادات الأخرى على الطاقة القادمة من الخليج، بدأت واشنطن تميل إلى فكرة “تقاسم العبء” مع شركائها. غير أن تحويل الحرب إلى عبء دولي ليس مهمة سهلة، فالدول المختلفة تنظر إلى الصراع من زوايا متباينة؛ بالنسبة لواشنطن يمثل الصراع مع إيران جزءًا من صراع أوسع على النفوذ الإقليمي والأمن الدولي، أما بالنسبة لبعض القوى الأخرى فقد تبدو الأزمة أقرب إلى نزاع إقليمي يمكن احتواؤه بوسائل دبلوماسية. ومن هنا تظهر الفجوة المحتملة بين الرؤية الأمريكية للأزمة وبين حسابات الحلفاء والشركاء الدوليين.

استهداف إسرائيل

ثالثًا: تهديد الناتو والتحول نحو سياسة الضغط على الحلفاء

من أكثر التصريحات دلالة في الحوار ربط ترامب بين مشاركة الحلفاء في الجهد العسكري وبين مستقبل حلف شمال الأطلنطي. فهذه الإشارة لم تكن مجرد تعليق عابر، بل تعبير واضح عن رؤية ترى أن التحالفات يجب أن تقوم على توازن واضح في الالتزامات. فمنذ سنوات ينتقد ترامب ما يعتبره اعتمادًا أوروبيًا مفرطًا على الحماية العسكرية الأمريكية، ويستند هذا الانتقاد إلى فكرة أن الولايات المتحدة تتحمل النصيب الأكبر من تكاليف الدفاع الجماعي داخل الحلف، بينما تستفيد الدول الأوروبية من هذه الحماية دون أن تتحمل القدر نفسه من الأعباء.

في ضوء هذا التصور تصبح الأزمة الحالية فرصة لإعادة طرح هذا المعتقد الترامبي، فمشاركة أوروبا في حماية الملاحة في الخليج يمكن أن تُفسَّر في واشنطن باعتبارها دليلًا على التزام الحلفاء بمبدأ تقاسم الأعباء. أما التردد أو الامتناع عن المشاركة فقد يُنظر إليه على أنه تأكيد للمخاوف الترامبية بشأن اختلال التوازن داخل الحلف.لكن بالنسبة لأوروبا، تبدو المسألة أكثر تعقيدًا، فالدول الأوروبية تدرك أن الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران قد يحمل مخاطر سياسية وأمنية كبيرة، خاصة في ظل وجود مصالح اقتصادية وعسكرية لها في الشرق الأوسط. ولهذا تجد نفسها أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على وحدة الحلف وتجنب الانجرار إلى صراع قد يتوسع خارج السيطرة.

استهداف الناقلات والسفن في الخليج العربي

رابعًا: الصين وممارسة الضغط على الخصم الإستراتيجي

لم يوجه ترامب رسائله إلى الحلفاء الغربيين فقط، بل وسع دائرة الضغط لتشمل الصين أيضًا، فبكين تعد من أكبر المستفيدين من تدفق النفط عبر الخليج، وتعتمد بدرجة كبيرة على استقرار هذا الطريق البحري لتأمين احتياجاتها المتزايدة من الطاقة. من هذا المنطلق طرح ترامب فكرة أن على الصين أيضًا أن تلعب دورًا في حماية الملاحة في المضيق. غير أن هذا الطرح يضع بكين أمام خيار إستراتيجي معقد؛ فمن ناحية تمتلك الصين مصلحة اقتصادية واضحة في استقرار الممرات البحرية، ومن ناحية أخرى فإن المشاركة في جهد عسكري تقوده الولايات المتحدة قد تحمل دلالات سياسية لا ترغب بكين في تبنيها.

كما أن ربط هذه القضية بالقمة المرتقبة بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينج يضيف بعدًا آخر للصراع. فالمضيق يتحول هنا إلى ورقة ضغط في العلاقات بين القوتين الأكبر في العالم، حيث يمكن استخدام التعاون أو الامتناع عنه كأداة تفاوضية في ملفات أوسع تتعلق بالتجارة والتكنولوجيا والنفوذ الدولي. ترامب هنا يستبق ما تم طرحه من تصورات بشأن تفاهمات يمكن أن تطرحها بكين أثناء الزيارة لوقف الحرب، ويحول الزيارة لورقة ضغط يبادر هو باستخدامها. بهذه الطريقة تتجاوز الأزمة حدود المواجهة مع إيران لتصبح جزءًا من التنافس الأوسع على قيادة النظام الدولي في مرحلة تتزايد فيها المنافسة بين القوى الكبرى.

هنا ينبغي التأكيد على أنه بالرغم الدعوات الأمريكية المتكررة، يبدو أن العديد من الحلفاء يتعاملون بحذر مع فكرة المشاركة العسكرية المباشرة في الأزمة. ويمكن تفسير هذا التردد بعدة عوامل متداخلة، كما يلي:

العامل الأول، يتعلق بطبيعة الصراعات في الشرق الأوسط، التي غالبًا ما تبدأ بعمليات محدودة قبل أن تتوسع تدريجيًا إلى نزاعات أكثر تعقيدًا. وقد أظهرت تجارب سابقة أن الانخراط العسكري في المنطقة قد يجر القوى الخارجية إلى التزامات طويلة الأمد يصعب إنهاؤها بسرعة.

العامل الثاني، يتمثل في المخاوف الأمنية المباشرة، فالدول الأوروبية تمتلك قوات وقواعد عسكرية ومصالح اقتصادية في عدة دول بالشرق الأوسط. وفي حال اتساع الصراع قد تصبح هذه المواقع أهدافًا محتملة لهجمات انتقامية.

أما العامل الثالث، فيتعلق بالاختلاف في تقييم طبيعة الصراع نفسه، فبينما ترى واشنطن أن المواجهة مع إيران جزء من إستراتيجية أوسع لاحتواء نفوذها الإقليمي، قد يرى بعض الحلفاء أن التصعيد العسكري قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة تعاني بالفعل من توترات متعددة، والبعض الآخر لم يفهم السبب الحقيقي لهذه الحرب التي أدخلت الإقليم والعالم في أزمة عميقة.

خامسًا: ترامب والقضاء على القدرات العسكرية الإيرانية

أشار ترامب في الحوار إلى أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية ألحقت أضرارًا كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية. لكن حتى في حال صحة هذا التقييم، فإن ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء قدرة إيران على التأثير في مسار الصراع. فالحروب الحديثة لا تعتمد فقط على الجيوش التقليدية أو المنظومات العسكرية الثقيلة. بل يمكن لأدوات غير متماثلة — مثل الألغام البحرية والطائرات المسيرة والزوارق السريعة — أن تفرض تحديات كبيرة على القوى البحرية المتفوقة.

وفي بيئة بحرية ضيقة مثل الخليج العربي تصبح هذه الأدوات أكثر فاعلية، فالممرات الضيقة تزيد من صعوبة عمليات المراقبة والسيطرة، وتسمح بعمليات تعطيل محدودة قد يكون لها تأثير اقتصادي كبير. ولهذا السبب فإن ضمان أمن الملاحة في المضيق لا يقتصر على تدمير القدرات العسكرية التقليدية، بل يتطلب عمليات مستمرة للمراقبة وإزالة الألغام وتأمين السفن التجارية.

فمع تطور العمليات العسكرية يتضح أن مركز الثقل في الصراع ليس البر الإيراني، بل الممرات البحرية في الخليج. فالمعركة الأساسية تدور حول القدرة على ضمان حرية الملاحة في واحد من أهم شرايين الاقتصاد العالمي. حيث نجد أن العمليات العسكرية في هذه البيئة تتطلب جهودًا معقدة تشمل إزالة الألغام البحرية، ومرافقة السفن التجارية، ومراقبة السواحل، والتعامل مع تهديدات الطائرات المسيرة والزوارق السريعة. وهي عمليات قد تبدو محدودة مقارنة بالحروب البرية الكبرى، لكنها في الواقع تتطلب موارد عسكرية كبيرة وتنسيقًا دوليًا واسعًا.

من هنا تأتي أهمية الدعوات الأمريكية لتشكيل جهد جماعي، فحماية ممر بحري بهذا الحجم تتجاوز قدرات دولة واحدة، حتى لو كانت قوة بحرية كبرى مثل الولايات المتحدة.

نختم بأن الحوار الذي نشرته الفاينانشيال تايمز لا يكشف فقط عن موقف أمريكي من أزمة إقليمية، بل يعكس لحظة أوسع من التحول في طبيعة النظام الدولي. فالحرب الحالية أصبحت اختبارًا لعدة أسئلة إستراتيجية كبرى:

هل تستطيع الولايات المتحدة حشد تحالف واسع لحماية الممرات البحرية العالمية؟

هل ستكون أوروبا مستعدة للمشاركة عسكريًا في صراع بعيد عن حدودها المباشرة؟

وهل ستختار الصين الانخراط في حماية النظام الاقتصادي الذي تعتمد عليه؟

في النهاية قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تأمين الملاحة عبر "مضيق هرمز". 

السؤال الأعمق هو من سيكون مستعدًا للمشاركة في تحمل تكلفة هذه المهمة. لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد ليس فقط مسار الحرب الحالية، بل أيضًا شكل التحالفات الدولية في السنوات القادمة، وربما طبيعة النظام العالمي في مرحلة تتزايد فيها المنافسة بين القوى الكبرى.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة