مفترق طرق لمن يفهم دروس التاريخ

15-3-2026 | 17:16

نحن في مفترق طرق تاريخي، كما وصف الرئيس السيسي الحالة الراهنة، التي تعيشها المنطقة وفي القلب منها مصر، والتي تريد إسرائيل والولايات المتحدة أن تغيرها إلى الأبد، طبقًا لمصالحها، ومن دون اكتراث بأحد. وهي حالة يعيشها العالم الذي قُدِّر له أن يشاهد الخراب والدمار في المنطقة من دون اعتبار للحق والقانون والروح الإنسانية.

وقد سمح سكان هذه المنطقة بأنواع عدة من التغيرات في حدود بلادهم، من دون ممانعة مؤثرة، منذ أكثر من مئة عام (سنة 1916)، وهو أقرب مفترق طرق تاريخيًّا، بمرور اتفاقية "سايكس بيكو" التي قسمت المنطقة، ووضعت بالألوان الحمراء والزرقاء خطوط جغرافيا الشرق الأوسط ما بعد الحرب العالمية الأولى.

الآن مفترق الطرق الأخطر، حيث تنقلب الولايات المتحدة الأمريكية على نظام دولي هي وضعته لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية (منظمة الأمم المتحدة) لتصنع قواعد جديدة، تمتحنها في الشرق الأوسط، وفي مناطق أخرى من الكاريبي وفي شمال العالم القريب منها، في كندا وفي جرينلاند، وعلنًا من دون سرية، عكس الحال عندما وقع الدبلوماسي البريطاني سير مارك سايكس سرًّا مع الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا بيكو على اتفاقية تقاسم أراضي الإمبراطورية العثمانية.

لقد عمقت الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران من حجم التغيير المراد تطبيقه، لأنها لا تقيم وزنًا لأي قوى إقليمية، خصوصًا إذا كانت معادية لنوايا إسرائيل التوسعية، ورغبتها في وراثة كل الأنظمة التي أسقطتها وربطها بمشروعها. وفي الحرب العبثية الدائرة حاليًّا، تتساوى في خلط الأمور إيران التي ضربت دولًا خليجية مسالمة بدعوى وجود مصالح وقواعد أمريكية في عواصمها، وإسرائيل التي ضربت الدوحة بدعوى عقد اجتماع لقادة حماس في العاصمة القطرية.
هذا التشتت وقفت منه القاهرة موقفًا واضحًا، لأنه ضار وله تداعياته الخطيرة على الجميع، ولأنه لا ينبغي له أن يكشف مرة واحدة عن حجم التفتت الحاصل في النسيج العربي. 

فماذا يطرح الخطاب المصري منذ أن بدت في الأفق نذر اندلاع حرب أمريكية إسرائيلية ضد إيران؟

طرح ثلاثة أمور متلازمة، لا غنى عنها: خفض التصعيد، تغليب الحلول الدبلوماسية، وانتباه النظام العربي لخطورة ما يجري على حاضره ومستقبله، والهدف القريب للتوجه المصري هو تجنيب المنطقة مزيدًا من التوتر وعدم الاستقرار. هكذا أعلنت القاهرة بوضوح رفض الحرب أسلوبًا في الأزمة الإيرانية، وما إن اندلعت، وبدأت إيران في استهداف ما أسمته بالمصالح الأمريكية في دول الخليج العربية، رفضت القاهرة بشدة الاعتداءات الإيرانية وأي ذرائع لتبرير الاعتداءات عليها.

وذهبت القاهرة إلى أبعد من ذلك، في اجتماع وزراء الخارجية العرب الطارئ الأحد الماضي، قبل أسبوع، والذي ترأسته دولة الإمارات العربية المتحدة، عبر تقنية "الفيديو كونفرانس"، إلى المطالبة بتفعيل مفهوم الأمن القومي العربي، للحفاظ على أمن الدول العربية وصون سيادتها، ودعا وزير الخارجية المصري د. بدر عبد العاطي إلى تفعيل أطر التعاون العربي المشترك، للتعامل الفعال مع التهديدات القائمة، بما في ذلك تشكيل قوة عربية مشتركة.
وكان على د. بدر عبد العاطي تجديد الموقف نفسه في اتصالات خلال الساعات الماضية مع نظيره الأردني، على قاعدة أن قرار تشكيل "قوة عربية مشتركة"، هو بهدف حماية مقدرات دول المنطقة من أي تهديدات مستقبلية، وأن ذلك لابد أن يصاحب ويواكب تحركنا نحو بلورة "رؤية واضحة للترتيبات الإقليمية والأمنية عقب انتهاء حرب إيران".

إن تفكير القاهرة في حث النظام العربي على تشكيل "قوة مشتركة" ليس دعوة للحرب، ولكن تذكير بمبادئ لطالما رفعها العرب وأهمية أن نستعد للخطط القادمة التي تحاك لنا، ويكاد يعرفها الجميع، ليس أكثرها شأنًا مشروع "إسرائيل الكبرى"، والذي إذا أعلنته إسرائيل وأيدتها الولايات المتحدة الأمريكية فماذا سنفعل إزاءه؟! سنعقد اجتماعًا آخر عبر "الفيديو كونفرانس" أم اللجوء إلى مجلس الأمن، وانتظار تصريحات تضامن ومواقف من إسبانيا وأيرلندا، ولا أقلل من شأنها أبدًا، فهي مواقف شريفة في عالم انعدم فيه الشرف.

قبل خطاب إفطار الأسرة المصرية، تحدث الرئيس السيسي مرتين، بمناسبة يوم الشهيد الذي يوافق التاسع من مارس من كل عام، والمرة الثانية أمام اجتماع طارئ بدعوة من الاتحاد الأوروبي، وطالب بوقف جميع الاعتداءات على الدول العربية، وتحلي الأطراف بضبط النفس وحل النزاعات بالوسائل السلمية، والانتباه لتداعيات التصعيد على الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد، ثم تحدث مع الرئيس الإيراني مطالبًا بوقف الاعتداءات على دول الخليج العربية.

وفي حفل إفطار الأسرة المصرية، زاد الرئيس السيسي من إيضاحاته بشأن القراءة المصرية لما يجري في المنطقة. هو إذن مفترق طرق تاريخي، نواجه فيه "تحديات جسيمة ومتغيرات متسارعة، في ظرف استثنائي بالغ الدقة" بسبب الحرب في منطقة الخليج العربي، "تلك الحرب التي تحمل تداعيات اقتصادية وإنسانية وأمنية عاصفة، لا يملك أحد القدرة على درئها، وستطال الجميع بلا استثناء".

هذا الطرح المصري يرفض بوضوح الاعتداءات التي تتعرض لها دول الخليج العربية، ويدعم الأشقاء العرب، كجزء من مفهوم الأمن القومي العربي، والمصري أيضًا. وتحاول مصر أن تكون جزءًا من الحل، باتصالات متسارعة، ربما تصل إلى حد الوساطة، لإيقاف الحرب، كما حدث في غزة في شهر أكتوبر الماضي، لكن مصر تدرك أن الأزمة بعمقها واتساعها، تحتاج إلى العقل والعودة إلى القانون الدولي وأحكامه وإحكام مفاهيم الأمن القومي العربي المنسية. فالانفلات في الحسابات وعدم الدقة فيها، سيأخذ العالم إلى احتمالات غير مضمونة، كما حدث في الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران. إنها الحرب التي بدت كنزهة في تصور البيت الأبيض، إلى أن أشعلت إيران الجبهات من حولها، وقدرت على ذلك، على الرغم من اختلال موازين القوى بين أطراف الحرب الدائرة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة