هرمز بين التدويل العسكري وحدود الشرعية الدولية

15-3-2026 | 15:49

يشير الطرح الذي أعلنه دونالد ترامب بشأن إنشاء تحالف دولي لتأمين الملاحة في "مضيق هرمز" إلى لحظة مفصلية في مسار التصعيد الدائر في الخليج العربي.

فالفكرة تبدو ظاهريًا ذات طابع دفاعي تقني، ولها مرجعية في القانون الدولي بهدف حماية السفن وضمان حرية المرور في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن المسألة تتجاوز مجرد تأمين الملاحة، لتلامس محاولة إعادة صياغة دور الولايات المتحدة في إدارة الأزمة بعد سلسلة من التطورات العسكرية والسياسية التي وضعتها في موقف بالغ التعقيد.

فالممر الذي يدور حوله النقاش ليس مجرد نقطة جغرافية على خريطة الملاحة الدولية، بل هو رابط إستراتيجي بين أمن الطاقة العالمي والتوازنات العسكرية في الخليج. ولذلك فإن أي مبادرة لتأمينه لا تُقرأ فقط في إطار حماية التجارة الدولية، بل أيضًا في إطار إعادة تعريف قواعد الاشتباك في الإقليم.

مظاهرة قيادات إيران

من التصعيد إلى البحث عن مظلة دولية

الطرح الذي قدمه ترامب يأتي في سياق مرحلة تبدو فيها واشنطن وكأنها تبحث عن صيغة لإعادة توزيع عبء الأزمة. فبعد الدخول في مسار تصعيدي مع إيران، أصبحت الولايات المتحدة تواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في الحفاظ على صورة القوة القادرة على الردع، وفي الوقت نفسه تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة قد تكون تكلفتها السياسية والاقتصادية باهظة.

في هذا السياق يظهر اقتراح التحالف الدولي كأداة لإعادة تدوير الأزمة في إطار متعدد الأطراف. فبدل أن تبدو الولايات المتحدة كقوة تقود المواجهة منفردة، يتم تحويل الملف إلى قضية تتعلق بأمن التجارة العالمية. وعند هذه النقطة يتحول التوتر في الخليج من نزاع سياسي بين واشنطن وطهران إلى قضية تتعلق بحرية الملاحة الدولية، وهو مفهوم قانوني وسياسي شديد الحساسية في النظام الدولي.

هذا التحول في الخطاب ليس تفصيلاً شكليًا. فحين تُطرح الأزمة باعتبارها تهديدًا لحرية الملاحة، يصبح من الممكن استدعاء قواعد القانون الدولي البحري، كما يصبح إشراك قوى دولية أخرى أكثر قابلية للتبرير سياسيًا وقانونيًا.

مضيق هرمز

تحالف دفاعي أم نواة لتحالف هجومي؟

تشير التجارب السابقة إلى أن التحالفات البحرية التي تنشأ تحت عنوان حماية الملاحة غالبًا ما تتطور إلى أدوات ضغط عسكري. فوجود قوة بحرية متعددة الجنسيات في منطقة توتر يعني عمليًا بناء بنية عملياتية مشتركة تسمح بالتحرك السريع إذا تطلب الأمر ذلك.

في حالة مضيق هرمز، قد يؤدي انتشار قوات بحرية دولية إلى رفع مستوى الاحتكاك المباشر مع إيران. فطهران تنظر إلى المضيق باعتباره جزءًا من مجالها الحيوي الإستراتيجي، كما ترى أن قدرتها على تهديد الملاحة فيه تشكل أحد عناصر الردع غير المتكافئ في مواجهتها مع الولايات المتحدة. ولهذا فإن التحالف الذي يُطرح بوصفه تحالفًا دفاعيًا قد يتحول عمليًا إلى منصة ردع متقدمة، وربما إلى إطار عملياتي يسمح بتنفيذ عمليات عسكرية محدودة إذا تطورت الأزمة.

مضيق هرمز

إيران بين معادلة الردع تحت الاختبار والمعضلة الاقتصادية

يبقى السؤال الأكثر حساسية في هذه المعادلة هو كيفية تعامل إيران مع هذه المبادرة. فمنذ عقود تعتمد الإستراتيجية الإيرانية في الخليج على مفهوم “الردع غير المتماثل”، أي استخدام أدوات أقل كلفة من القوة العسكرية التقليدية لمواجهة التفوق العسكري الأمريكي. أحد أهم هذه الأدوات كان دائمًا التهديد بإغلاق أو تعطيل الملاحة في "مضيق هرمز"، فالمضيق يمثل نقطة اختناق حيوية في الاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على أسواق الطاقة.

إذا نجح التحالف الدولي في تأمين المضيق بصورة فعالة، فإن ذلك يعني عمليًا تقليص فعالية هذه الورقة الإيرانية. لكن في المقابل قد تلجأ طهران إلى وسائل أخرى للحفاظ على توازن الردع، مثل توسيع نطاق الضغوط غير المباشرة في مناطق أخرى من الإقليم أو استخدام أدوات الحرب غير التقليدية.

من أهم ما يكشفه هذا الطرح أن الاقتصاد العالمي أصبح طرفًا غير مباشر في الأزمة. فالتوتر في مضيق هرمز لا يهدد فقط أمن الطاقة، بل يهدد أيضًا استقرار الأسواق المالية وسلاسل التوريد العالمية. ولهذا، فإن فكرة إنشاء تحالف دولي لحماية الملاحة قد تجد دعمًا من دول ليست طرفًا مباشرًا في الصراع السياسي في الخليج، لكنها تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار تدفقات الطاقة عبر هذا الممر الحيوي.

ومن هنا يمكن فهم محاولة واشنطن تدويل قضية أمن المضيق باعتبارها جزءًا من إستراتيجية أوسع لربط الأزمة بمصالح الاقتصاد العالمي، وليس فقط بأمن الخليج.

مضيق هرمز

أثر البعد القانوني الدولي كمحدد لحرية الملاحة وحدود الشرعية

إلى جانب الأبعاد السياسية والعسكرية، يطرح هذا الطرح سؤالًا مهمًا يتعلق بالشرعية القانونية الدولية لأي تحالف من هذا النوع. الإطار القانوني الأساسي المنظم لحركة الملاحة في المضائق الدولية يتمثل فيما أقرته منظمة الأمم المتحدة عبر "اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار"، والتي تنص على مبدأ “حق المرور العابر” في المضائق الدولية التي تُستخدم للملاحة بين بحرين أو منطقتين اقتصاديتين.

وفقًا لهذه القواعد، لا يجوز للدول المشاطئة للمضيق تعطيل المرور الدولي للسفن التجارية. لكن في الوقت نفسه، لا تمنح هذه القواعد تلقائيًا لأي دولة الحق في نشر قوات عسكرية في المضيق دون موافقة الدول الساحلية أو دون غطاء قانوني دولي واضح.

عندما يُطرح الحديث عن حماية الملاحة في مضيق إستراتيجي مثل "مضيق هرمز"، يصبح من الضروري العودة إلى الإطار القانوني الدولي الذي ينظم استخدام البحار والممرات البحرية. هذا الإطار يتمثل أساسًا في الاتفاقية التي أشرنا إليها، والتي توصف في الأدبيات القانونية الدولية بأنها «دستور المحيطات». وقد تم اعتماد هذه الاتفاقية عام 1982 بعد مفاوضات طويلة استمرت قرابة عقد كامل، ودخلت حيز التنفيذ عام 1994.

تُعد هذه الاتفاقية أهم وثيقة قانونية دولية لتنظيم استخدام البحار والمحيطات، إذ وضعت نظامًا قانونيًا متكاملًا يحدد حقوق الدول وواجباتها في ما يتعلق بالمياه الإقليمية والممرات البحرية والموارد الطبيعية في البحار. يطلق على الاتفاقية وصف «دستور المحيطات» لأنها لم تعالج مسألة واحدة فقط، بل أنشأت نظامًا قانونيًا شاملًا لإدارة البحار. فهي تحدد بدقة:

- حدود السيادة البحرية للدول

- قواعد الملاحة الدولية

- استغلال الموارد الطبيعية في البحار

- حماية البيئة البحرية

- تسوية النزاعات البحرية

وبهذا المعنى، فهي تشبه الدساتير الوطنية التي تنظم العلاقة بين السلطات داخل الدولة، لكن على مستوى النظام الدولي البحري. أحد أهم إنجازات الاتفاقية هو وضع نظام دقيق لتقسيم المناطق البحرية وتحديد صلاحيات الدول في كل منها.

مضيق هرمز

1. البحر الإقليمي

يمنح القانون الدولي للدولة الساحلية سيادة على حزام بحري يمتد حتى 12 ميلًا بحريًا من سواحلها. داخل هذا النطاق تتمتع الدولة بسيادة شبه كاملة، تشبه السيادة على أراضيها البرية. لكن هذه السيادة ليست مطلقة؛ إذ يظل للسفن الأجنبية حق المرور فيما يعرف بـ «المرور البريء»، أي المرور الذي لا يهدد أمن الدولة الساحلية.

2. المنطقة الاقتصادية الخالصة

بعد البحر الإقليمي تمتد منطقة أخرى تصل إلى 200 ميل بحري تعرف باسم المنطقة الاقتصادية الخالصة. في هذه المنطقة لا تمتلك الدولة سيادة كاملة، لكنها تمتلك حقوقًا اقتصادية حصرية لاستغلال الموارد الطبيعية، مثل:

- النفط والغاز

- الثروات السمكية

- الموارد المعدنية في قاع البحر

وفي الوقت نفسه تبقى حرية الملاحة مكفولة لبقية الدول.

مضيق هرمز

3. أعالي البحار

بعد المنطقة الاقتصادية الخالصة تبدأ أعالي البحار، وهي مناطق لا تخضع لسيادة أي دولة. ويعتبرها القانون الدولي ملكية مشتركة للبشرية. في هذه المناطق تتمتع جميع الدول بحرية:

- الملاحة

- الصيد

- مد الكابلات البحرية

- البحث العلمي

لكن هذه الحريات تخضع لقواعد عامة تمنع الإضرار بالدول الأخرى أو بالبيئة البحرية.

4. المضائق الدولية وحق المرور العابر

القضية الأكثر ارتباطًا بالتوترات في الخليج هي القواعد القانونية للمضائق الدولية. حيث تنص اتفاقية قانون البحار على مبدأ يسمى «المرور العابر»، وهو حق يسمح للسفن والطائرات بالمرور المستمر والسريع عبر المضائق التي تربط بين بحرين أو منطقتين اقتصاديتين. ويشمل هذا الحق:

- السفن التجارية

- السفن الحربية

- الطائرات العسكرية

بشرط أن يكون المرور مستمرًا وغير معطل للملاحة. وينطبق هذا المبدأ على عدد من أهم الممرات البحرية في العالم، ومن بينها على سبيل المثال:

- مضيق هرمز

- مضيق ملقا

- مضيق باب المندب

وبموجب هذه القواعد، لا يجوز للدول المطلة على هذه المضائق تعطيل الملاحة الدولية فيها. فرغم أن المضائق تقع جغرافيًا داخل مياه الدول الساحلية، فإن القانون الدولي يفرض عليها عدة قيود لضمان استمرار الملاحة الدولية.

من أهم هذه القيود:

1.عدم إغلاق المضيق أمام الملاحة الدولية.

2.عدم التمييز بين السفن على أساس الجنسية.

3.عدم فرض قيود تعطل المرور العابر.

مظاهرة قيادات إيران

لكن الاتفاقية تسمح للدول الساحلية باتخاذ إجراءات محدودة تتعلق بالأمن والسلامة البيئية، مثل تنظيم حركة المرور أو منع التلوث. لم تكتفِ الاتفاقية بوضع قواعد قانونية، بل أنشأت أيضًا مؤسسات دولية لإدارة النظام البحري العالمي.

من أبرز هذه المؤسسات:

- محكمة دولية تختص بالفصل في النزاعات المتعلقة بقانون البحار.

- هيئة دولية مسئولة عن تنظيم استغلال الموارد المعدنية في قاع البحار خارج نطاق السيادة الوطنية.

هذه المؤسسات تعكس محاولة المجتمع الدولي إنشاء نظام حوكمة عالمي لإدارة الموارد البحرية. ورغم وضوح الإطار القانوني الذي وضعته اتفاقية قانون البحار، فإن تطبيقه في الواقع غالبًا ما يتداخل مع الاعتبارات السياسية والعسكرية.

فالمضائق الإستراتيجية مثل مضيق هرمز ليست مجرد ممرات قانونية، بل هي أيضًا نقاط ارتكاز في توازنات القوة العالمية. ولهذا تظهر أحيانًا مبادرات عسكرية لتأمين الملاحة في هذه المضائق، مثل فكرة إنشاء تحالفات بحرية دولية لحماية السفن. هذه المبادرات تثير دائمًا نقاشًا قانونيًا حول مدى توافقها مع قواعد القانون الدولي، خاصة إذا لم تحصل على تفويض من مجلس الأمن.

نخلص إلى أن "اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار" تمثل حجر الأساس في النظام القانوني الذي يحكم البحار اليوم، فهي تحدد بدقة حقوق الدول الساحلية، وتضمن في الوقت نفسه استمرار حرية الملاحة الدولية في الممرات الحيوية. لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن القانون الدولي وحده لا يكفي لضبط الصراعات في المضائق الإستراتيجية. فحين تصبح هذه الممرات مركزًا لتنافس القوى الكبرى، تتحول النصوص القانونية إلى إطار مرجعي، بينما تحدد موازين القوة في النهاية كيفية تطبيقها على أرض الواقع.

ولهذا فإن أي حديث عن حماية الملاحة في مضيق هرمز لا يمكن فهمه فقط من خلال النصوص القانونية، بل يجب قراءته أيضًا في سياق الصراع الأوسع على النفوذ في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

سيناريوهات المستقبل

هنا تظهر معضلة الشرعية. فهناك عدة سيناريوهات قانونية يمكن أن يتم من خلالها إنشاء مثل هذا التحالف:

السيناريو الأول

أن يتم تشكيل التحالف خارج إطار الأمم المتحدة، كتحالف طوعي بين مجموعة من الدول الراغبة في حماية الملاحة. هذا السيناريو يمنح سرعة في التنفيذ لكنه يظل عرضة لانتقادات قانونية من الدول التي ترى فيه تجاوزًا لسيادتها.

السيناريو الثاني

أن يتم السعي للحصول على تفويض من مجلس الأمن يسمح بإنشاء قوة دولية لحماية الملاحة، هذا الخيار يمنح التحالف شرعية قانونية قوية، لكنه يواجه احتمال التعطيل بسبب استخدام حق النقض من قبل قوى كبرى قد تعارض الفكرة.

السيناريو الثالث

أن يتم إنشاء ترتيبات أمنية إقليمية بالتنسيق مع دول الخليج، بحيث يُقدَّم التحالف باعتباره مبادرة لحماية أمن الطاقة العالمي بالتعاون مع الدول المطلة على المضيق.

كل سيناريو من هذه السيناريوهات يعكس مزيجًا مختلفًا من الاعتبارات القانونية والسياسية، وهو ما يجعل مسألة الشرعية الدولية أحد أكثر جوانب المبادرة تعقيدًا.

وفي النهاية، لعل ما يطرحه ترامب ليس مجرد مبادرة أمنية تقنية، بل محاولة لإعادة صياغة إدارة الأزمة بعد مرحلة من التصعيد غير المحسوب. فالتحالف المقترح قد يحقق هدفًا تكتيكيًا يتمثل في تقليل المخاطر المباشرة على الملاحة، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنافس العسكري في الخليج.

فحين تتحول حماية الممرات البحرية إلى تحالفات عسكرية متعددة الجنسيات، فإن المنطقة تدخل عادة مرحلة أكثر تعقيدًا من التوازنات الدقيقة. فوجود قوى بحرية متعددة في مساحة جغرافية ضيقة مثل مضيق هرمز يعني أن هامش الخطأ يصبح محدودًا للغاية، وأن أي حادث صغير قد يتحول بسرعة إلى أزمة أكبر.

ولهذا تبدو اللحظة الراهنة لحظة حساسة في مسار الأزمة. فالقضية لم تعد فقط كيفية احتواء تصعيد عسكري، بل كيفية إعادة رسم قواعد القوة في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. وفي مثل هذه اللحظات، كثيرًا ما تكون التحالفات التي تُبنى تحت عنوان الاستقرار هي نفسها التي تعيد رسم خرائط الصراع في المستقبل.

كلمات البحث