15-3-2026 | 15:34

تاريخيًا، تلتزم مصر بموقف راسخ في الدفاع عن الأمن القومي العربي، وأصبح ذلك من ثوابت وركائز سياسات الدولة المصرية. ولم تحد أرض الكنانة في أي وقت من الأوقات عن هذا المبدأ الثابت، بل إنه يتأكد عمليًا مع كل أزمة عاصفة وحادة تمر بها منطقتنا العربية والشرق الأوسط على وجه العموم. 

وقد أصاب الرئيس السيسي كبد الحقيقة عندما أعلن بوضوح، خلال كلمته في إفطار الأسرة المصرية أمس، أن المنطقة تقف على مفترق طرق تاريخي، وتواجه تحديات جسيمة ومتغيرات متسارعة في ظرف استثنائي بالغ الدقة. 

فماذا فعلت الدولة المصرية إزاء الوضع الخطير الناتج عن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الدائرة حاليًا ضد إيران، والتي شنت هجمات طالت بلدانًا عربية مجاورة ومنشآتها الحيوية والمدنية؟ 

منذ البداية، كان موقف القيادة المصرية واضحًا وجليًا بإدانتها للاعتداءات الإيرانية التي تتعرض لها الدول العربية الشقيقة وكل ما يمس أمنها واستقرارها، وتأكيدها دعمها الكامل والأكيد للأشقاء العرب في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات سريعة ومتلاحقة وتحديات غير مسبوقة. 

هذا الدعم يعكس مسئولية تاريخية ودورًا إقليميًا ثابتًا، حيث لم تتخل الدولة المصرية يومًا عن دعمها للدول العربية في مواجهة ما مرت وتمر به من تحديات، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الأمني. 

إن التوجه المصري في هذا الخصوص ينطلق من قاعدة الإيمان بوحدة المصير العربي المشترك، والعمل بلا كلل حفاظًا على الأمن القومي العربي. وتدرك مصر أن أمن دول الخليج جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي العربي، وكذلك الأمن القومي المصري، وهو ما يؤكده الرئيس السيسي دائمًا في تصريحاته ولقاءاته مع كبار المسئولين العرب والأجانب، وخلال جولات سيادته الخارجية. 

ومعلوم بالضرورة أن استقرار الدول العربية يمثل ركيزة أساسية وجوهرية لاستقرار وأمن المنطقة بأكملها، لا سيما في ضوء محاولات إسرائيل الدائمة والمستفزة لزعزعة أمن واستقرار الشرق الأوسط، بما تقوم به من اعتداءات واغتيالات وعمليات عسكرية داخل لبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية واليمن وإيران بدعم أمريكي معلن، وسعيها المتواصل لفرض سيطرتها وهيمنتها ومنطقها المعوج على المنطقة.

والكل يعلم ويلمس حجم ما قدمته ولا تزال مصر من دعم سياسي وإنساني لا ينقطع للفلسطينيين، منذ اندلاع حرب غزة، وحرصها الشديد على إدخال المساعدات الإنسانية لسكان القطاع الذين يعيشون وسط أوضاع بائسة حرمتهم من مقومات ومستلزمات الحياة اليومية الآدمية، نتيجة افتقادهم المياه الصالحة للشرب والكهرباء والمستشفيات بعد تدمير قوات الاحتلال الإسرائيلي البنية التحتية في غزة. 

ناهيك عن سعيها لتهجير الفلسطينيين قسرًا من أرضهم، وهو ما رفضته ووقفت مصر في وجهه وأجهضته بتحركات دبلوماسية مكثفة على الساحتين الإقليمية والدولية، واعتبرته خطًا أحمر غير مسموح بتجاوزه. 

وأثمرت الجهود المصرية الدؤوبة عن التوصل إلى "خطة السلام" التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتم التوقيع عليها في مدينة شرم الشيخ، وهي الخطة التي تحاول حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة الالتفاف عليها وعرقلة تنفيذها بكل السبل الممكنة وغير الممكنة!

ليس هذا فحسب، بل إن إسرائيل تسعى بكل ما أوتيت من قوة لإعادة تشكيل وصياغة خريطة الشرق الأوسط وفقًا لتصورات محددة من جانبها، تلبي مصالحها دون اعتبار لمصالح الآخرين وأمن واستقرار دولهم.

لذلك، فإن مصر تعيد التأكيد في كل مناسبة على أن الظرف الراهن يستدعي ويحتم تضافر الجهود العربية للمحافظة على استقرار الدول العربية ومقدراتها، ومنع المنطقة من الانزلاق باتجاه المزيد من الأزمات التي ستلحق أضرارًا ما أنزل الله بها من سلطان بشعوبها واقتصاداتها. 

ومن هنا، نفهم إصرار وحرص القيادة المصرية على الدعوة لفتح قنوات الحوار بين كافة الأطراف، بما يعزز فرص التهدئة وتفادي مزيدٍ من الصراعات التي تلقي بظلالها الكثيفة والقاتمة على الإقليم من جهة، والعالم من جهة أخرى. 

وكلنا يتابع الآن ما تعرض له الاقتصاد العالمي جراء الحرب الإيرانية، وما تسببت فيه من ارتفاع أسعار النفط، واضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز الحيوي، وتضرر سلاسل الإمدادات، وتزايد تكاليف الشحن وغيرها. 

هذه الآثار وغيرها من التبعات يلزم لعلاجها والتعافي منها وقت ليس بالقصير، وبتكلفة باهظة يتحملها الجميع دون استثناء. 

إن رسالة مصر وقيادتها السياسية واضحة للعيان، ومفادها أن مصر ستبقى حاضنة وداعمة للأشقاء العرب، ومدافعًا صلبًا عن أمنهم واستقرارهم، لاجتياز المرحلة الصعبة والدقيقة التي تمر بها المنطقة العربية، وما يصاحبها من تحديات معقدة ومتشابكة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: