شظايا الحرب تتساقط في أقصى الشرق

15-3-2026 | 14:36

دول شمال شرق آسيا المعنية أساسا هنا هي: الكوريتان الجنوبية والشمالية واليابان، وتؤكد التقارير والتحليلات أن تداعيات أمنية واقتصادية خطيرة لحقت بهذه الدول، نتيجة لتأثرها -بما يمكن وصفه- بشظايا الحرب في الشرق الأوسط.

أبدأ بخلفية تاريخية ضرورية وسريعة مر عليها ربع قرن، عاصرتها عن قرب في أثناء مهمتي مراسلًا للأهرام في اليابان، وبحكم جوار بلاد الشمس المشرقة لشبه الجزيرة الكورية، جرى العرف أن تتسع دائرة اهتمامات الأهرام لتشمل متابعة التطورات الأمنية بين الكوريتين، بما فيها الملف النووي والصاروخي الشمالي.

وقتها، وتحديدًا في 29 يناير 2002، استخدم الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش تعبير محور الشر Axis of Evil، ويضم: العراق، إيران، وكوريا الشمالية، في سياق إعلانه عن السياسة الأمريكية الجديدة لمحاربة الإرهاب والانتشار النووي.

عقب توصيف هذا المحور مباشرة، استخدم بوش الابن صلاحياته الرئاسية، وحشد الجيوش لتدمير العراق في عام 2003، ودفعت بلاد الرافدين -وتدفع- ثمنًا باهظًا منذ ذلك الوقت، وجاء الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، ليستكمل المهمة بتدمير الضلع الثاني بالمحور، إيران، ولا أحد يدري ما سوف تخبئه له الأيام والتطورات.

الأن، السؤال الذي يشغل الكثيرين هو: ماذا بعد إيران؟ وهل سيأتي الدور إن عاجلًا أو آجلًا على الضلع الثالث والأخير -وهو كوريا الشمالية- فيما يسمى بمحور الشر؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال وغيره، أعرض جانبًا من تداعيات الحرب الطاحنة الحالية في الشرق الأوسط على منطقة شمال شرق آسيا، وأبدأ من كوريا الجنوبية.

التقارير الصحفية الصادرة في سول وواشنطن تشير إلى أنه يجري حاليًا نقل صواريخ اعتراضية من قواعد عسكرية أمريكية بكوريا الجنوبية إلى ميدان الحرب بمنطقة الشرق الأوسط، وهي عبارة عن منظومة يطلق عليها اسم "ثاد"، مصممة لإسقاط الصواريخ الباليستية، على ارتفاعات تتراوح فيما بين 40-150 كيلو مترًا، وجرى نشرها على بعد 215 كيلو مترًا من سول، وتتركز مهمتها في تعزيز قدرة جيش كوريا الجنوبية على التعامل مع التهديدات النووية والصاروخية الشمالية.
 
في الوقت نفسه، أثيرت تكهنات بأن القوات الأمريكية المتمركزة في كوريا الجنوبية نقلت إلى ميدان حرب الشرق الأوسط بعض بطاريات صواريخ باتريوت المضادة للصواريخ، وقد رفض كل من الجيشين الأمريكي والكوري الجنوبي تأكيد ذلك.

تعليقًا على نقل أسلحة أمريكية من قواعدها العسكرية في كوريا الجنوبية إلى ميدان الحرب الطاحنة الحالية في منطقة الشرق الأوسط، صرح الرئيس الكوري لي جيه-ميونج بأن هذا الأمر تعارضه سول، غير أنها لا تستطيع فرض رأيها على واشنطن، مشيرًا -في الوقت نفسه- إلى أنه لا يوجد أي سبب للقلق الدفاعي في بلاده، في ضوء ما يتوافر لديها من قدرات دفاعية عالية، ومستوى إنفاق يعادل 1.4 ضعف الناتج المحلي الإجمالي لكوريا الشمالية لتصبح في المرتبة الخامسة عالميًا.

من ناحية أخرى، بدأت القوات المسلحة الكورية الجنوبية والأمريكية مناورات مشتركة، وبمستوى أقل من العام الماضي، تحمل اسم درع الحرية Freedom Shield، تستمر حتى يوم 19 مارس الحالي، وتهدف إلى الاستعداد لحالة طوارئ محتملة، وتعزيز الردع ضد التهديدات النووية والصاروخية الكورية الشمالية.

كوريا الشمالية احتجت -بشدة- على إجراء هذه المناورات، وحذرت من أنها قد تؤدي إلى عواقب وخيمة لا يمكن تصورها. وفي استعراض للقوة، أطلق الشمال 10 صواريخ باليستية، في وقت متزامن يوم أمس السبت. في الوقت نفسه، ذكر بيان صادر باسم كيم يو-جونج، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي أنه "بسبب تصرفات العصابات الدولية المتهورة، تشتعل الحروب في كل مكان، مشيرة-في هذا السياق-إلى الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الحالية ضد إيران،وامتداداتها الإقليمية.

المتحدث باسم الخارجية الشمالية ندد بالهجمات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، لأنها تؤدي -وفقا لوصفه- إلى تصعيد التوتر في جميع أنحاء العالم.

بيانات التنديد بالحرب تتوافق مع العلاقات الدبلوماسية الوثيقة، التي تربط بين بيونج يانج وطهران، منذ إقامتها في عام 1973، وإن كانت العاصمتان تخضعان -في الوقت نفسه- لعقوبات دولية مشددة نتيجة لبرامجهما الصاروخية والنووية.

أيضًا، بكوريا الشمالية، لم تتوقف أصداء المناورات العسكرية المشتركة بين سول وواشنطن، وكذلك، الحرب الدائرة في الشرق الأوسط عند حدود التنديد بالهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، بل قام الزعيم الشمالي، كيم جونج-أون، بالإشراف على تجربة إطلاق صواريخ كروز إستراتيجية من المدمرة تشون هيون.

ونقلت وكالة الأنباء المركزية الشمالية عن الزعيم كيم قوله: "يتم الآن إدراج مكونات رادعنا الحربي في نظام تشغيلي متطور للغاية بطريقة فعالة وسريعة ومستمرة، وقد انتقلت القوات النووية للبلاد إلى مرحلة العمليات المتعددة الأوجه".

في وقت سابق، كان الزعيم كيم قد أعلن أن تقدم بلاده لن يعوقه أي تغير في البيئة الأمنية الدولية، لكنه لم يوجه رسالة إلى كوريا الجنوبية أو الولايات المتحدة، في ضوء محاولة سول وواشنطن لاستئناف الحوار، ويرى مراقبون أن بيونج يانج قد تترك الباب مفتوحًا للتغيير في سياستها، استنادا للوضع الدولي المضطرب حاليا.

هنا أعود سريعا للإجابة عن السؤال الذي يشغل بال مراقبين بخصوص مستقبل الضلع الثالث من محور الشر، ألا وهو كوريا الشمالية، وفقا لتعبير بوش الابن.

أعتقد أن بيونج يانج تراقب عن كثب نتائج الحرب الطاحنة، والدائرة في منطقة الشرق الأوسط، وقد تستخدم كوريا الشمالية تلك النتائج في تعزيز خطابها النووي، باعتباره الضمان الوحيد لبقاء النظام، إضافة لتسريع وتطوير برامجها النووية والصاروخية، وتعزيز علاقتها العسكرية مع الدول المعادية للولايات المتحدة، وهو ما يعني -بطبيعة الحال- ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية في منطقة شمال شرق أسيا.

وردًا على سؤال آخر: هل يمكن أن تتعرض القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في منطقة شمال شرق أسيا (كوريا الجنوبية حوالي 28.5 ألف جندي واليابان نحو 50 ألف جندي) لهجمات شمالية مماثلة، لما وقع بالفعل في منطقة الشرق الأوسط؟

يرى محللون أن الوضع في منطقة شمال شرق آسيا أكثر حساسية وتعقيدًا، مما هو عليه الحال في الشرق الأوسط، بما يصعب تكرار نموذجها، أولا: لأن كوريا الشمالية تمتلك -بالفعل- قوة نووية وصاروخية، غير معترف بها دوليًا، بالإضافة إلى وجود قوى عالمية مجاورة لشبه الجزيرة الكورية، وهي: روسيا والصين واليابان.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: