سؤال بات مطروحًا في العالم أجمع بعد أن وصلت تداعيات هذه الحرب المجنونة، التي أشعلتها أمريكا وإسرائيل ضد إيران، إلى كل دول العالم، وطالت موائد المستهلكين في كل الدول؛ نتيجة الارتفاعات الكبيرة في أسعار الوقود، وتوقف أو تعثر سلاسل الإمداد ما تسبب في ارتفاع الأسعار، وقد يؤدي هذا الوضع الخطير إلى أزمة اقتصادية عالمية لا تقل في خطورتها وفاتورتها الباهظة عن تداعيات الحروب العالمية الكبرى التي شهدها العالم.
وبما أن الكلفة أصبحت باهظة ولا يتحملها العالم، فإن وقف هذه الحرب أصبح ضرورة اليوم قبل الغد، ومطلبًا عالميًا ملحًا؛ خصوصًا مع تآكل الأهداف التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحرب، والتي لم تتحقق، وأولها إسقاط النظام الإيراني، ولعل صورة النصر الوهمي التي يقوم ببنائها الرئيس الأمريكي عبر تصريحاته على مدار الساعة تؤشر إلى أنه يبحث له عن مخرج يحفظ له ماء الوجه في وقف هذه الحرب العبثية، إذ لا يفوت الفرصة على مدار اليوم للحديث عن سحق القدرات الإيرانية، وإغراق كامل القوات البحرية الإيرانية، وتدمير القدرات الصاروخية… وغير ذلك من تصريحات، للحد الذي قال فيه أنَّ الجيش الأمريكي دمر كل شيء في إيران ولم يتبق شيء آخر يمكن ضربه!!
هذه التصريحات تؤكد أن ترامب يبحث جديًا وقف الحرب، بعد أن اكتشف أن فاتورتها على أمريكا أصبحت كبيرة، وتداعياتها الاقتصادية والسياسية جسيمة، وربما تطيح بحزبه في الانتخابات النصفية، التي ستجرى خلال الشهور المقبلة، وخسارة هذه الانتخابات تعني أنه سيفقد الأغلبية في الكونجرس، إذ تشير تقارير نشرتها دوائر إعلامية أمريكية كبرى إلى أن أمريكا تكبدت في الأسبوع الأول من الحرب 11 مليار دولار، وسط توقعات بارتفاع التكلفة في حالة استمرارها، كما أن الكلفة المعيشية للمواطن الأمريكي زادت؛ نتيجة غلاء الوقود، مع احتمالات متزايدة بدخول البلاد في تضخم كبير ستكون له تداعيات سلبية على الأداء الاقتصادي العام لأمريكا.
على الطرف الآخر من الحرب، فإن وصول إيران للأسبوع الثالث من الصمود -في حد ذاته- يمثل لها صورة نصر يمكن أن تقدمه للداخل والخارج، مبررًا لوقف الحرب، فهي عمليًا أفشلت خطة العدوان في تفكيك النظام وإسقاط الدولة، وحافظت على التماسك المجتمعي، بل ونجحت في استخدام سلاح الجغرافيا كورقة ضغط، ورفع كلفة الحرب على الجميع؛ بإغلاقها مضيق هرمز، وتعطيل إمدادات النفط للعالم؛ ما تسبب في أزمة عالمية ضاغطة على أمريكا لوقف الحرب، للحد الذي دفع دولًا أوروبية -مثل ألمانيا- للتحذير من أنها ستتعرض لأزمة كبرى في حال استمرت الحرب وتوقفت الإمدادات النفطية، كما أن دول مجموعة السبع حذرت في اجتماع مع ترامب -قبل أيام- من تداعيات جسيمة ستضرب الاقتصاد العالمي في حال استمرت الحرب، وبالتالي يجب وقف الحرب؛ لتفادي تداعيات غير مرغوب فيها تهدد العالم.
هذه المعطيات تمنح إيران أيضًا صورة نصر تعتمد عليها في وقف الحرب، مقابل قبولها تمرير ما تعرضت له من ضربات قاسية ومدمرة في البنية التحتية، وفقد 40 من كبار قادتها، وعلى رأسهم المرشد، بالإضافة إلى آلاف المدنيين.
أما إسرائيل -الشيطان الأكبر التي كانت وراء هذه الحرب- فهي الخاسرة، ولم تجد لها صورة نصر -ولو وهمي- يمكن أن تقدمه لمواطنيها، الذين ينامون في الملاجئ منذ بدء الحرب، وأصيب المجتمع كله بحالة شلل تام، فهي لا زالت في مرمى الصواريخ الإيرانية التى تزداد فتكًا وتدميرًا، ولا زال حزب الله -حتى اليوم- يشكل خطرًا كبيرًا عليها، بل ازداد شراسة، وصواريخه باتت تتمدد في الأراضي المحتلة، واقتصادها دخل في حالة ركود؛ نتيجة الخسائر وهروب الاستثمارات.
الخلاصة: ستتوقف الحرب بفعل الفشل الأمريكي في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب وارتفاع الكلفة، ما جعل أمريكا داخليًا وخارجيًا في موقف حرج؛ نتيجة استمرار الحرب، وتعطل الإمدادات النفطية، فكل التقديرات العسكرية تؤكد أن الصمود الإيراني في الحرب -مهما طالت- سوف يستمر بعد وجود تأكيدات على دعم روسي صيني لطهران، يقال إنه حاليًا استخباراتي، وقد يتطور إلى التسليح إذا ما نفدت مخزونات الذخائر الإيرانية؛ لأن بقاء إيران قوية يعني منفعة للصين، المستورد الرئيس للنفط الإيراني، وكذلك داعم لروسيا، وحائط صد في مواجهة تمدد نفوذ أمريكا في هذه المنطقة والعكس صحيح، فإن سقوط إيران يعني سيطرة أمريكا على النفط والتحكم فيه، وتوسع نفوذها في منطقة مهمة إستراتيجيًا لروسيا.
كل هذه المحددات تمثل عوامل ضغط على الإدارة الأمريكية، التي تورطت في هذه الحرب، وآن لها الخروج بسرعة قبل فوات الأوان.. فهل يفعلها ترامب صاغرًا؟!
[email protected]