في ممرات صناعة القرار بالقاهرة، لا تُقرأ أخبار الهجمات الإيرانية على المنشآت المدنية في الخليج بوصفها مجرد "أحداث حدودية" أو مناوشات إقليمية عابر؛ بل تُحلل كجزء من صراع أوسع يمس جوهر الاستقرار العربي. اليوم، وبينما تتصاعد أعمدة الدخان من منشآت حيوية نتيجة استهداف بـ "سلاح المسيرات" والصواريخ الباليستية، تجد المنطقة نفسها أمام منعطف تاريخي حرج، لا يختبر فقط الأنظمة الدفاعية، بل يختبر صلابة "الإرادة السياسية" للمنظومة العربية بأكملها.
الأمن القومي ككتلة واحدة
من هذا المنطلق، تبرز الرؤية المصرية كصوت رصين وسط ضجيج السلاح، رؤية لا ترى في أمن الخليج ترفًا دبلوماسيًّا، بل ركيزة وجودية للأمن القومي المصري. فعندما ترفع القاهرة شعار "أمن الخليج خط أحمر"، فهي لا تطلق شعارات عاطفية، بل تترجم عقيدة إستراتيجية راسخة تؤمن بأن الجغرافيا السياسية للمنطقة غير قابلة للتجزئة. إن أي اعتداء على الرياض أو أبوظبي أو أي عاصمة خليجية أخرى هو في الحقيقة تهديد مباشر للأمن القومي المصري، واختراق لحائط الصد الأول الذي يمنع تمدد الفوضى الإقليمية نحو قلب العروبة.
زلزال أسواق الطاقة
لكن الموقف المصري يتجاوز البُعد العسكري الصرف ليتعمق في لغة الأرقام والاقتصاد، فتصعيد طهران، عقب اندلاع العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، يفرض ضريبة باهظة على شريان الاقتصاد العالمي. إن زلزال أسواق الطاقة، وقفزات أسعار البترول والغاز، واهتزاز ثقة المستثمرين، ليست سوى "تداعيات جانبية" لمغامرات سياسية غير محسوبة. وبالنسبة للقاهرة، فإن استقرار أسواق الطاقة الخليجية هو الضمانة الحقيقية لتدفق الاستثمارات الإقليمية، وحماية خطط التنمية الطموحة التي تتبناها المنطقة لعام 2030 وما بعده، من أن تتحول إلى رهينة للتوترات الأمنية.
المسارات المتوازية
وفي مواجهة هذا الواقع المعقد، تطرح الدبلوماسية المصرية إستراتيجية "المسارات المتوازية" كبديل عن الانزلاق نحو "الاشتباك الكبير". تقوم هذه المقاربة على "الردع بالوحدة" وتفعيل التنسيق العربي المشترك، بالتوازي مع "دبلوماسية مسئولة" تحشد المجتمع الدولي بحزم لإنهاء الحرب وإيقاف الصراع الدائر في المنطقة منذ عقود، وإجبار الأطراف المتصارعة على العودة لطاولة مفاوضات حقيقية تنهي سياسة "حافة الهاوية". وبالنظر إلى الأفق، نجد أن المنطقة تقف أمام ثلاثة سيناريوهات متباينة: إما الاستمرار في حالة "الاحتواء الهش" التي تستنزف الموارد ببطء، أو الانزلاق نحو "الانفجار الشامل" الذي قد يدمر الدول ويخلق أزمات إنسانية واقتصادية لا قبل للمنطقة بها. أما السيناريو الثالث، وهو ما تراهن عليه القاهرة بكل ثقلها، فهو العودة إلى "الحوار السياسي البناء" الذي يحترم سيادة الدول ويضع حدًّا للتدخلات الخارجية، بما يضمن استدامة النمو وحماية الشعوب من ويلات الصراع.
طاحونة الدمار الشامل
إن التاريخ المعاصر والقديم على حد سواء، يخبرنا بحقيقة واحدة لا تقبل التأويل: أن الحروب في جوهرها ليست إلا طاحونة تقضي على الأخضر واليابس، ولا تترك وراءها منتصرًا بالمعنى الحقيقي. ففي لغة الإستراتيجية العميقة، الجميع خاسر في أتون الصراعات المسلحة، فبينما تُدمر البنية التحتية وتتبدد الموارد الاقتصادية التي استغرق بناؤها عقودًا، تُزهق الأرواح وتتشوه هوية المجتمعات تحت وطأة الكراهية والدمار. إن انتصار السلاح هو في الواقع انكسار للإنسان ولفرص التنمية والاستقرار، فالحرب لا تنهي الأزمات بل تعيد إنتاجها بصور أكثر مأساوية، مما يجعل من الحوار السياسي والحلول الدبلوماسية ليس مجرد خيار، بل هو طوق النجاة الوحيد الذي يحمي مستقبل الشعوب من احتراق مقدراتها في نيران صراعات لن يخرج منها أحد رابحًا.
قوة الوحدة
في النهاية، تظل الرسالة المصرية واضحة ولا تقبل التأويل: التضامن العربي ليس مجرد خيار، بل هو الضمانة الواقعية الوحيدة للحفاظ على الاستقرار. وبينما تواصل القاهرة دعمها الكامل لأمن أشقائها في الخليج، تظل متمسكة بأن الحلول السياسية والدبلوماسية المدعومة بـ "قوة الوحدة" هي الطريق الأمثل لتجاوز الأزمات، وحماية مقدرات المنطقة من الانصهار في أتون الصراعات الإقليمية.
للتواصل: [email protected]