هكذا هي الدنيا... محطة عابرة نقطف فيها زهرة هنا، ونشكو ألم هناك، ثم نرحل. وكأننا ركاب في قطار لا يعرف التوقف إلا مرة واحدة... حين يحين موعد النزول الأخير.
في صبيحة يوم السبت السابع من مارس عام ٢٠٢٦، كنت أقف على رصيف محطة سيدي جابر في الإسكندرية. لا أعلم أن القدر يعد عدته خلف الستار. كنت أتحدث في ندوة عن شئون الدنيا وشجونها، والموت يدق الباب من حيث لا يحتسب أحد. ليس كالمعتاد... بل كالصاعقة التي تأتي بلا استئذان، فتغير مجرى الأنهار، وتقلب الجبال، وتجعل الإنسان يسقط من علو شاهق إلى هاوية سحيقة.
رن الهاتف. كان أخي الدكتور أحمد على الخط. وصوته الذي عهدته مطمئنًا وادعًا، كان هذه المرة يحمل بين نبراته شيئًا من خشخشة الموت. "أبي في ذمة الله".
بهذه البساطة... بهذا الاختصار... كأن الحياة تذكرنا كل لحظة أنها ليست لنا، وأننا فيها عابرو سبيل. سقطت يدي. تلك الكلمة القرآنية التي كنا نمر عليها مر الكرام في بطون التفاسير... صارت الآن حقيقة يعصرها الألم، وتدميها الصدمة. اليدان تسقطان حقًا. القوة تنزوي من الجسد حقًا. تنظر فلا ترى، وتسمع فلا تعي، وكأن روحًا من روحك قد رحلت مع من رحل.
ركبت القطار الأول إلى القاهرة. والناس في شأنهم... شاب يتحدث في هاتفه عن صفقة رابحة، وأم تعد طفلها بقطعة حلوى، وعجوز يقرأ القرآن بخشوع. لا يعلمون أن رجلًا يبكي في مقعده صامتًا. ولا يهمهم أن يعلموا. فلكل إنسان محطته التي توقفه، وأسفاره الخاصة إلى المجهول.
هكذا هي الحياة... مسرح كبير يؤمه الناس كل صباح. كل يؤدي دوره، وكل يقرأ سطوره. فإذا جاء الدور الأخير، أسدل الستار، وانفض المسرح، وذهب الجميع... وبقي وجه الله وحده.
من القاهرة إلى المنيا، ثم إلى سمالوط. قطع المسافة ذاتها التي قطعتها مئات المرات. لكنها هذه المرة كانت مختلفة. كنت أسافر في الزمن لا في المكان. أعود بالذاكرة إلى الوراء، إلى أول خطوة مشيتها على هذه الأرض. إلى الأمس البعيد حين كنت طفلًا يدب على هذه الأرض. واليوم أعود إليها... لكني أحمل نعشًا لا سريرًا.
دفناه مساء نفس اليوم. هناك في مقابر العائلة بسمالوط، حيث تلتقي الدنيا بالآخرة، وحيث لا فارق بين غني وفقير، ولا بين عظيم وحقير. نزلنا به إلى حفرته. التراب الذي كنا نلعب عليه صغارًا، صار الآن حجابًا بيننا وبين وجه أبي. وكأن الموت يقول لنا: "مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ".
هناك، في تلك اللحظة المهيبة، تذكرت قوله تعالى: "وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ". كم حِدنا عن ذكر الموت؟ كم غفلنا عنه؟ كم ظننا أن الدنيا باقية وأن الأهل خالدون؟
ثم كان العزاء. والناس يأتون كالموج، يتلو بعضهم بعضًا. وجوه أعرفها وأخرى لا أعرف. كلهم يقولون الكلمات ذاتها: "البقاء لله"، "عظم الله أجركم". كلماتهم كالنجوم في ليلة حالكة... لا تغير الليل لكنها تجعله أقل ظلمة.
في العزاء، وقفت أتأمل هذه الظاهرة الإنسانية العجيبة. حين يموت إنسان، يموت معه جزء من كل من عرفوه. يأتي الناس ليودعوه في قلوبهم قبل أن يودعوه في قبره. يأتون ليؤكدوا لأنفسهم أن الموت حق، وأن الحياة ليست إلا محطة عابرة، وأن السفر إلى الله هو الرحلة الوحيدة التي لا رجعة فيها.
أبي... كان رجلًا من الصعيد. لا يعرف الكلام الكثير، لكن أفعاله كانت تتكلم عنه. كان من الذين إذا وعدوا أوفوا، وإذا ائتمنوا أدوا، وإذا أحبوا صدقوا. كان نبيلًا طيب العشرة، حسن السيرة. رجلًا من أولئك الذين يمشون على الأرض هونًا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا.
في الأيام التي تلت العزاء، وأنا أعود إلى القاهرة، حدث شيء غريب. بدأت أرى أبي في كل مكان. في الشارع الذي كان يسير فيه، في المسجد الذي كان يصلي فيه، في الكرسي الذي كان يجلس عليه، في الحكايات التي كان يرويها. أدركت أن الموت ليس نهاية. الموت هو أن تتحول من كائن من لحم ودم إلى كائن من نور وذكرى.
الذكريات... هي صلة الوصل الوحيدة بيننا وبين من رحلوا. بقدر ما نصنع من ذكريات جميلة مع من نحب، بقدر ما نترك لهم من أرصفة يعودون إليها بعد رحيلهم. وأبي ترك لنا أرصفة كثيرة. ترك لنا حب العلم، وحب الخير، وحب العائلة، وحب هذا الوطن.
في القرآن الكريم آية نقرؤها آلاف المرات فلا توقظ فينا شيئًا: "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ". لكن الموت حين يطرق بابك، تفهم الآية وكأنك تقرؤها لأول مرة. تفهم أنك أنت أيضًا ستذوقه، وأن من تحب سيموتون قبلك أو بعدك، وأن الحياة ليست إلا ومضة سريعة بين ليلين.
أكتب هذا المقال من القاهرة حيث تلقيت الخبر، وأنظر إلى النيل الهادئ أمامي. كم يشبه النيل الحياة! موج يأتي وموج يذهب، وكل موجة تخلف وراءها رمالًا مبتلة. هكذا نحن... نأتي ونذهب، ونترك وراءنا آثارًا تمسحها الأمواج أو تبقى قليلًا.
كان أبي يحب النهر. كان يقول إن النيل يذكرنا بعظمة الخالق. كان يقول إن من يتأمل النيل لا يمكن أن يكون ملحدًا. كان يقول إن النهر مثل الحياة... لا تعرف ما يخبئ لك في قاعه.
والآن، حين أنظر إلى النيل، أتذكر أبي. أتذكر يديه الخشنتين من العمل، وصوته الهادئ في الصباح الباكر، ونظراته الحانية إلينا ونحن صغار. أتذكر كل تفاصيله الصغيرة التي كانت تبدو عادية فإذا بها هي الحياة كلها.
سألني أحدهم كيف حالك؟ فقلت: أحاول أن أتعلم كيف تكون الحياة بلا أب. وكيف تكون الدنيا وقد خلت من الذي كان يملأها. وكيف يكون الولد وقد صار هو الرجل الأول في العائلة.
والحق أن الإنسان لا يكبر حقًا إلا بموت أبيه. موت الأب هو الانتقال الحقيقي من الطفولة إلى الرجولة. حين يموت الأب، تنتقل المسئولية إلى الأبناء. وحين يموت الأب، يصير الأبناء هم الآباء.
هذا هو قانون الحياة. تأخذ منك شيئًا وتعطيك شيئًا. تخلع عنك ثوب الطفولة وتكسوك رداء الرجولة. تتركك وحيدًا تواجه الرياح، بعد أن كنت وراء ظهر أبيك تأوي.
في القرآن الكريم قصة فيها عبرة: حين سأل سيدنا موسى الخضر عن الغلام الذي قتله، قال: "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا".
نعم، قد يأخذ الله الأب أو الأم، ولكنه يعوض بخير منه. يعوض بالصبر، يعوض بالقوة، يعوض بالنضج، يعوض بالدعاء الذي لا ينقطع. يعوض بأن يجعل الأبناء امتدادًا لآبائهم في الخير والعمل الصالح.
أبي رحل... لكنه ترك لنا الكثير. ترك لنا الحب الذي يجمعنا، وترك لنا الدعاء الذي يرفع درجته، وترك لنا الذكرى التي لا تموت، وترك لنا القدوة التي نقتدي بها.
وأخيرا... إلى كل من يقرأ هذه الكلمات:
لا تنتظر حتى يفوت الأوان. لا تنتظر حتى يموت أبوك لتقول له كلمات الحب. لا تنتظر حتى تفقد من تحب لتدرك قيمتهم. الحياة قصيرة جدًا، والموت أقرب من حبل الوريد. صالح من تحب قبل أن تفقدهم، وقل لهم إنك تحبهم، واسأل عنهم، وزرهم، وادع لهم. فالإنسان رهين وداع... والدنيا ساعة اجعلها طاعة... والله ما بعد الموت مستعتب... ولا إلى الدنيا من سبيل.
اللهم ارحم أبي، واغفر له، واجعل قبره روضة من رياض الجنة. اللهم آنس وحشته، ووسع مدخله، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اجعل ما لقيك به من ألم الدنيا كفارة له، وارفع درجته في عليين. واجمعنا به في مستقر رحمتك، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
[email protected]