الدعاء وانتظار الإجابة

14-3-2026 | 14:49

لا شيء يقرب الإنسان لرب العالمين ويشعره بالعبودية للخالق عز وجل ويمتعه "بنعمة" التوحيد أكثر من الدعاء؛ حيث يجدد المسلم التوحيد في قلبه وعقله قبل لسانه ويتوجه للرحمن وكله يقين بأنه سبحانه وتعالى "وحده" الذي يمنح ويمنع والذي بيده كل الخير والذي يستطيع وحده دفع كل الشر.

في الدعاء نعترف جميعًا "بعجزنا" كبشر ونعلن التبرؤ من قوتنا ومن قوة أي مخلوق ونتوجه للرحمن "وحده" طلبًا للخير وللنجاة من كل شر.

وقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ".
 
يبدأ الدعاء الذكي بزرع اليقين بأن الرحمن سيرزقنا الأفضل دائمًا وأبدًا، ولن يردنا أبدًا خائبين؛ فسبحانه أكرم الأكرمين، ونتذكر قول حبيبنا ورسولنا محمد صلوات الله وسلامه عليه: "ما من مُسلِمٍ يدعو بدعوةٍ ليسَ فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحِمٍ إلَّا أعطاهُ اللَّهُ بِها إحدى ثلاثٍ إمَّا أن تُعجَّلَ لَهُ دعوتُهُ في الدُّنيا وإمَّا أن يدَّخرَها لَهُ في الآخرةِ وإمَّا أن يُصرَفَ عنهُ من السُّوءِ مثلُها قالوا: يا رسولَ اللَّهِ إذًا نُكثِرُ، قالَ: اللَّهُ أَكثَرُ".

الدعاء الذكي لابد أن يصاحبه الأخذ بالأسباب "بوعي" وتخطيط جيد بعد معرفة الواقع كما هو وليس كما نتمنى، وعزيمة تزيد ولا تنقص وتوكل بصدق على الرحمن وتبرؤ من كل الأسباب وتذكر القول الرائع: ترك الأخذ بالأسباب خطيئة والتوكل عليها شرك.

يقول رب العالمين: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب"؛ ومن الرحمة بالنفس تذكر ذلك دومًا وخاصة في الأزمات؛ "فنطمئن" أنفسنا بالدعاء.

الدعاء الذكي وقت المحن لابد أن يسبقه تذكر النعم التي رزقنا الرحمن بها من غير حول ولا قوة منا "وتجديد" الشكر عليها وتدبر الآية الكريمة: "لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ".

يضاعف شكر النعم وقت المحن القوة المعنوية ويزيد من القدرات على مواجهة ما نكره "بثبات" ومنع الفزع والجزع والعكس صحيح.

نوصي بالتضرع دومًا في الدعاء، والاستغاثة بالله، مع "الاطمئنان" والتسليم للوهاب أثناء انتظار الإجابة وأنها ستأتي كيفما يشاء الرحمن ومتى شاء.

والتأدب مع الرحمن "وطرد" الاستعجال والجزع لأنهما من وساوس إبليس اللعين "وزرع" السكينة والرضا واليقين بأن الرحمن يدبر لنا أمورنا بما يفيدنا في الدارين، وبما يساعدنا لنكون من الفائزين.

بعد الدعاء من الطبيعي "انتظار" الإجابة ولابد من التطهر من كل الذنوب التي تمنع استجابة الدعاء وكراهية العودة إليها ومنعها.

نود تجنب الحديث مع الناس عن أننا ندعو والله لا يستجيب لنا؛ فمعظم الردود لا تكون مفيدة وحتى لا نكون، والعياذ بالله، وكأننا نشكو الخالق عز وجل لمخلوق وكفى بها خطيئة.

نوصي بإغلاق كل أبواب ونوافذ إبليس اللعين التي تريد بث اليأس في النفوس وتذكر قول الله عز وجل لعباده: "لَا تَقْنَطُوا"، وقول النبي يعقوب عليه السلام لأولاده: "وَلَا تَيْأَسُوا"، وقول النبي يوسف عليه السلام لأخيه: "فَلَا تَبْتَئِسْ"، وقول شعيب والد ابنتي مدين للنبي موسى عليه السلام: "لا تخف". 

من الخطأ الشائع التوقف عن الدعاء إذا لم تحدث الاستجابة سريعًا كما نتوقع ونتمنى وهذا "ظلم" للنفس وحرمانها من كنوز الدعاء وسوء أدب مع الرحمن سبحانه وتعالى والأذكى الاستمرار في الدعاء والإلحاح وكلنا "يقين" بأن الوهاب الكريم سيرزقنا بالأفضل في أحسن توقيت، وصدق القائل: "ربما أعطى فمنع وربما منع فأعطى والمحبة هي الموافقة".

ولنتذكر كم قمنا بالدعاء لأمور وحدثت وتسببت في الأذى لنا ولنجتهد في "تسليم" أمورنا بصدق للرحمن ونسأله بتوسل ونستغيث به "ليرزقنا" أفضل الدعاء لنا ولمن نحب وللمسلمين كافة "ويمن" علينا بالإجابة، وأن "نزرع" الطمأنينة في عقولنا وقلوبنا ونتنفس حسن الظن بالرحمن دائمًا وأبدًا..

وألا نركز أثناء انتظار الإجابة على التفكير بكيف ومتى ستحدث "والتشاغل" عنها بفعل ما يفيدنا دينيَا ودنيويًا، والتقرب للخالق عز وجل بكل ما يحبه ويرضيه عنا ليس "طمعًا" في الإجابة فقط كما قد يتبادر للذهن؛ ولكن للفوز بحبه ورضاه عنا وهو ما يجب أن نتنافس فيه مع أنفسنا، وأن يتزايد رصيدنا منه، وألا نسمح بأي تناقص منه، وبذلك فقط نصبح من الفائزين في الدارين والعكس صحيح.

أما "تعجل" الإجابة فيزرع في النفس الإنهاك الذهني والوهن النفسي وارتباك العقل؛ مما يضعفنا ويجعلنا "فريسة" سهلة للشيطان ليتسلل ويخصم من إيماننا، وليجعلنا نصنع لأنفسنا بأيدينا الخسائر في الدارين، بينما فعل "كل" ما يمكننا فعله بثبات وبلا فزع؛ فالفزع يجعلنا نرتبك ونبذل الجهد الزائد بلا تركيز، ونحصل على أقل النتائج فنحبط أنفسنا "ونسلم" أنفسنا للخسائر بأنواعها النفسية والمادية والصحية ولا قدر الله الدينية.

من الأخطاء الشائعة في الدعاء طلب الأقل بدعوى عدم الطمع!!

ومن حق النفس علينا أن نطلب الأفضل والأوسع من الكريم الوهاب الرزاق ولنتدبر قول رسولنا الحبيب صلوات الله وسلامه عليه: "إذا دَعا أحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ، ولا يَقُولَنَّ: اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ فأعْطِنِي؛ فإنَّه لا مُسْتَكْرِهَ له".

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: