الطائرات المسيّرة تغيّر مسار الحروب

14-3-2026 | 13:48

بعد مرور أسبوعين على اندلاع الحرب ضد إيران، بدأت ملامح آثارها السياسية والعسكرية والاقتصادية تتضح تدريجيًا، وإن كان من المبكر الجزم بمآلاتها النهائية، ولكن ما يمكن رصده بوضوح حتى الآن هو أن هذه الحرب بدأت في ظل حالة غير مسبوقة من الغموض والتناقض في الأهداف المعلنة.

فالأسباب التي قُدمت لتبرير الحرب لم تكن واضحة أو متماسكة؛ بل إن التصريحات الصادرة عن الإدارة الأمريكية نفسها بدت أحيانًا متعارضة؛ فما يقوله الرئيس الأمريكي يختلف عن تصريحات وزير خارجيته أو وزير الحرب، بل إن التناقض قد يظهر أحيانًا بين تصريح للرئيس صباحًا وآخر مساءً، وهذا الغموض في تعريف الهدف من الحرب يمتد كذلك إلى تعريف معنى “النصر” ذاته: ما الذي ينبغي أن يحدث حتى تُعد الحرب ناجحة؟

وفي سياق هذه المواجهة، شهدنا أيضًا تجاوزات غير مسبوقة في قواعد العلاقات بين الدول؛ فمحاولات استهداف قادة الدول -سواء عبر الخطف أو الاغتيال- تمثل خرقًا واضحًا لأعراف راسخة ظلت تحكم العلاقات الدولية لعقود، وتفتح الباب أمام سابقة خطيرة قد تعيد تشكيل قواعد الاشتباك بين الدول.

من جهة أخرى، لا يبدو أن إيران كانت تسعى إلى هذه المواجهة. على العكس، كانت تسعى -بدرجات متفاوتة- إلى تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة. لكن الطريق إلى واشنطن في الشرق الأوسط يمر عبر البوابة الإسرائيلية، وهو المسار الذي لم تكن طهران راغبة في سلوكه.

ورغم تضارب الأسباب المعلنة للحرب، فإن استنتاج الدوافع الحقيقية ليس بالأمر الصعب. فبالنسبة لإسرائيل، يبدو الهدف واضحًا: تقويض القدرات العسكرية الإيرانية إلى الحد الذي يمنعها من تشكيل تهديد مستقبلي، بما يضمن لإسرائيل تفوقًا عسكريًا وهيمنة شبه مطلقة في المنطقة. أما الولايات المتحدة، فيبدو أن طموحها يتجاوز ذلك إلى إستبدال النظام السياسي الإيراني الحالي بآخر صديق، بما يفتح الباب أمام عودة تدفق النفط والعلاقات الاقتصادية والتجارية بشكل طبيعي.

غير أن المؤشرات الحالية لا توحي بأن أيًا من هذين الهدفين بات قريب المنال.

عسكريًا، اعتمدت إيران تكتيكات تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها أثبتت قدرًا ملحوظًا من الفاعلية. فقد بدأت بإغراق خصومها بأعداد كبيرة من الصواريخ القديمة والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، بهدف استنزاف منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية مثل “القبة الحديدية” و“مقلاع داود”. 

وبعد إنهاك هذه المنظومات نسبيًا، تُطلق بين الحين والآخر صواريخ باليستية أكثر تطورًا، بعضها متعدد الرؤوس ويصل إلى سرعات فرط صوتية تبلغ نحو خمسة أضعاف سرعة الصوت ويصعب اعتراضها. 

لكن العنصر الأكثر لفتًا للانتباه في هذه الحرب هو الدور المتصاعد للطائرات المسيّرة. فقد تحولت هذه الطائرات خلال سنوات قليلة من أدوات استطلاع محدودة إلى أحد أهم أسلحة الحروب الحديثة. تكمن قوتها في مزيج من البساطة والمرونة وانخفاض الكلفة. فبإمكان طائرة مسيّرة صغيرة لا يتجاوز ثمنها بضعة آلاف من الدولارات أن تعطل مطارًا، أو تضرب هدفًا عسكريًا حساسًا، أو تدفع الخصم إلى إطلاق صاروخ دفاعي تبلغ كلفته مئات الآلاف من الدولارات.

ولا يقتصر تأثير الطائرات المسيّرة على عامل الكلفة فحسب، بل يمتد إلى تغيير منطق الحرب نفسه. فالجيوش الكبرى اعتادت لعقود على التفوق عبر امتلاك طائرات مقاتلة باهظة الثمن ومنظومات دفاعية معقدة. 

أما اليوم، فإن أسرابًا من الطائرات المسيّرة الصغيرة -التي يمكن إطلاقها بالعشرات أو المئات في وقت واحد- قادرة على إرباك أكثر أنظمة الدفاع تطورًا. ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي والاتصال الشبكي، بدأت هذه الطائرات تتحول إلى ما يشبه “الأسراب الذكية” القادرة على التنسيق فيما بينها، ما يزيد من صعوبة التصدي لها.

ولهذا يرى كثير من الخبراء العسكريين أن الطائرات والزوارق المسيّرة قد تكون في طريقها لإحداث تحول جذري في طبيعة الحروب، يشبه في تأثيره ظهور الطائرات المقاتلة في الحرب العالمية الأولى أو الدبابات في الحرب العالمية الثانية. 

فالقوة العسكرية لم تعد تقاس فقط بحجم الأساطيل الجوية أو الترسانات الصاروخية، بل أيضًا بقدرة الدول على إنتاج أعداد كبيرة من الوسائل القتالية الرخيصة والمرنة.

أما على الصعيد السياسي، فقد تركت الحرب بصماتها بوضوح داخل الولايات المتحدة نفسها. 

فالرئيس الأمريكي يسعى إلى تحقيق نصر سريع وواضح، دون أن يتحمل الاقتصاد الأمريكي كلفة حرب طويلة، خاصة في ظل تضخم مرتفع وديون متزايدة، كما أن عينه تبقى على انتخابات التجديد النصفي، التي يخشى أن تنتهي بفوز خصومه.

ولعل هذا ما يفسر سرعة إعلان الرئيس الأمريكي أن الحرب “حققت أهدافها” عندما اقترب سعر النفط من 120 دولارًا للبرميل – أي ضعف مستواه قبل الحرب – وهو تصريح جاء على النقيض من تصريحات وزير دفاعه الذي كان قد قال إن الحرب “لم تبدأ بعد”. وقد كان لهذا الإعلان أثر فوري في تهدئة الأسواق؛ إذ تراجعت أسعار النفط سريعًا إلى منتصف الثمانينات، قبل أن تعاود الارتفاع مع استمرار العمليات العسكرية لتتجاوز حاجز المئة دولار مجددًا.

وفي الداخل الأمريكي، استمرت شعبية الرئيس في التراجع، فيما تعالت أصوات سياسية وإعلامية تدعو إلى عدم السماح لإسرائيل بجرّ الولايات المتحدة إلى حروب لا تمس مصالحها المباشرة. وفي الوقت نفسه، يتزايد التململ في دول الخليج التي وجدت نفسها متورطة – سياسيًا واقتصاديًا – في حرب لم تخترها، لكنها تدفع جزءًا من كلفتها.

بعد أسبوعين من الحرب، تبدو الصورة واضحة في نقطتين على الأقل: الأولى أنه لا يوجد رابح حقيقي حتى الآن، وإن أعلن كل طرف عكس ذلك. الثانية أن القوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس بحجم الترسانة فقط، بل أيضًا بقدرة الدول على إنتاج وسائل قتال رخيصة وذكية وقادرة على استنزاف الخصم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: