يوضح تاريخ النظم السياسية أن الخطاب الأول لأي قائد جديد نادرًا ما يكون مجرد خطاب بروتوكولي أو مناسبة رمزية عابرة. ففي كثير من الأحيان يكون هذا الخطاب بمثابة إعلان سياسي عن طبيعة المرحلة القادمة، وإشارة مبكرة إلى كيفية فهم القيادة الجديدة للعالم الذي تتحرك فيه. لكن قيمة هذا النوع من الخطابات تتضاعف عندما يأتي في لحظة صراع مفتوح أو تحولات استراتيجية كبرى. ففي الظروف العادية يمكن للقائد الجديد أن يتحدث عن الإصلاح أو الاقتصاد أو أولويات الحكم. أما في زمن الحروب والأزمات، فإن الخطاب الأول يتحول إلى وثيقة تأسيسية للسياسة في زمن المواجهة.
من هذا المنظور يمكن قراءة الخطاب الأول لمجتبى خامنئي بعد توليه موقع المرشد الأعلى في إيران. فالرجل لم يتولَّ السلطة في لحظة انتقال هادئ داخل النظام، بل في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب تتداخل فيها عدة أزمات كبرى في وقت واحد. فالشرق الأوسط يعيش منذ سنوات مرحلة إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى. المواجهة بين إيران والولايات المتحدة لم تعد مجرد صراع نفوذ تقليدي، بل أصبحت جزءًا من معادلة أوسع تتداخل فيها حسابات الأمن الإقليمي، وأسواق الطاقة العالمية، والتحولات في بنية النظام الدولي نفسه.
في الوقت نفسه تشهد المنطقة سلسلة من بؤر التوتر الممتدة جغرافيًا من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن العراق وسوريا إلى شرق المتوسط. هذه البؤر ليست أزمات منفصلة، بل أجزاء من شبكة صراعات مترابطة تتحرك فيها القوى الإقليمية والدولية في آن واحد. ضمن هذا السياق المضطرب، يصبح أي خطاب صادر عن القيادة الإيرانية أكثر من مجرد إعلان سياسي. إنه في الواقع جزء من إدارة الصراع نفسه. فالكلمات في مثل هذه اللحظات لا تُقال فقط للتعبير عن موقف، بل لتشكيل توقعات الخصوم، وطمأنة الحلفاء، وتعبئة الداخل.
لهذا، يمكن النظر إلى الخطاب الأول للمرشد الجديد بوصفه محاولة لتحديد الإطار الذي ستتحرك داخله السياسة الإيرانية في المرحلة القادمة. فكل فقرة فيه تبدو وكأنها موجهة إلى جمهور مختلف؛ رسائل إلى الشعب الإيراني لتأكيد التماسك الداخلي، ورسائل إلى الحلفاء في المنطقة لتثبيت شبكة التحالفات، ورسائل إلى الخصوم الدوليين لتوضيح حدود الردع الإيراني.
بهذا المعنى، لا يبدو الخطاب مجرد بيان سياسي عابر، بل محاولة مبكرة لرسم ملامح مرحلة قد تكون من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط. فإيران اليوم تقف عند نقطة تقاطع بين تحديات داخلية وضغوط خارجية وصراعات إقليمية متشابكة، وهو ما يجعل كل كلمة تصدر عن قيادتها جزءًا من معادلة استراتيجية أكبر. ومن خلال تحليل هذا الخطاب يمكن ملاحظة أنه لا يقتصر على تفسير ما يحدث الآن، بل يحاول أيضًا إعادة تعريف طبيعة الصراع نفسه: هل هو مجرد مواجهة عسكرية محدودة، أم بداية مرحلة أوسع من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية؟
هذا السؤال بالذات هو ما يجعل الخطاب الأول للمرشد الجديد وثيقة سياسية تستحق قراءة متأنية، ليس فقط لفهم السياسة الإيرانية، بل لفهم الاتجاه الذي قد تسلكه المنطقة بأكملها في السنوات القادمة، وهو ما نعرضه عبر المحاور التالية:
أولًا: إغلاق مضيق هرمز ونقل الصراع إلى قلب الاقتصاد العالمي
تمثل الدعوة إلى استخدام جميع الإمكانات لإغلاق "مضيق هرمز" الرسالة الأكثر خطورة في الخطاب، لأنها تنقل الصراع من مستوى المواجهة العسكرية الإقليمية إلى مستوى التأثير المباشر في الاقتصاد العالمي. فهذا المضيق من واقع الجغرافيا السياسية-الاقتصادية يمثل في الواقع أحد أهم الممرات الاستراتيجية في النظام الاقتصادي الدولي المعاصر. يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج العربي (20-35%)، وهو ما يجعله شريانًا أساسيًا للطاقة بالنسبة لاقتصادات كبرى في آسيا مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، وكذلك بالنسبة لأسواق الطاقة في أوروبا.
استهداف الناقلات والسفن في الخليج العربي
هذا يعني أن أي اضطراب في الملاحة داخل هذا الممر لا يظل قضية إقليمية محدودة، بل يتحول فورًا إلى أزمة ذات أبعاد عالمية، بدأت بالفعل تمثل ضغطًا على العديد من الاقتصادات الإقليمية والدولية. فأسواق الطاقة تعمل وفق منطق شديد الحساسية تجاه المخاطر الجيوسياسية. مجرد التهديد بإغلاق المضيق يمكن أن يؤدي إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط والغاز، وهو ما ينعكس بدوره على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي في العديد من دول العالم. ولهذا فإن طرح فكرة إغلاق المضيق في خطاب سياسي لا يُقرأ فقط بوصفه تهديدًا عسكريًا، بل يُفهم أيضًا باعتباره رسالة اقتصادية موجهة إلى المجتمع الدولي بأكمله. فالقضية هنا لا تتعلق فقط بإيران وخصومها المباشرين، بل باستقرار النظام الاقتصادي العالمي الذي يعتمد إلى حد كبير على تدفق مستقر للطاقة من الخليج. وليت الأمر يتوقف عند "مضيق هرمز" بل حمل الخطاب تهديدات بغلق مضايق أخرى، يمكن أن يفهم منها الإشارة لـ "مضيق باب المندب" بما يفتح الباب أو الإشارة لمعاودة الحوثيين لأنشطتهم في هذه النقطة الحساسة الأخرى والأكثر تأثيرًا في حركة سلاسل الإمداد والتوريد.
من الناحية الاستراتيجية، تندرج هذه التهديدات ضمن ما يعرف بالعقيدة العسكرية الإيرانية القائمة على الحرب غير المتكافئة. هذه العقيدة نشأت من إدراك عميق لدى صناع القرار في طهران بأن ميزان القوة العسكرية التقليدية يميل بشكل واضح لصالح الولايات المتحدة وحلفائها. فإيران لا تمتلك أسطولًا بحريًا أو قوة جوية يمكنها منافسة القوى الكبرى في مواجهة مفتوحة. لكن في المقابل تمتلك إيران عنصرًا آخر بالغ الأهمية، وهو الجغرافيا. فموقعها المطل على الخليج العربي وبحر عمان يمنحها قدرة فريدة على التأثير في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، ومن جهة أخرى ونتيجة لأنشطة سنوات طويلة سابقة في بناء ساحات داعمة لها، فيمكنها تهديد "باب المندب".
ولهذا طورت إيران خلال العقود الماضية مجموعة من الأدوات العسكرية المصممة خصيصًا للتعامل مع هذا النوع من البيئات البحرية الضيقة. تشمل هذه الأدوات الزوارق السريعة، والألغام البحرية، والصواريخ الساحلية المضادة للسفن، إضافة إلى الطائرات المسيرة. هذه الوسائل لا تهدف إلى السيطرة الكاملة على المضيق بقدر ما تهدف إلى جعل المرور فيه مكلفًا وخطرًا في حال اندلاع مواجهة عسكرية. في هذا السياق يصبح مضيق هرمز بالنسبة لإيران نوعًا من ورقة الضغط الاستراتيجية التي يمكن استخدامها لتعويض الفارق الكبير في ميزان القوة التقليدية. فبينما تمتلك الولايات المتحدة تفوقًا عسكريًا واضحًا، تستطيع إيران عبر التهديد بالمضيق أن تخلق مشكلة عالمية تتجاوز حدود الصراع العسكري المباشر.
هذا ما يفسر لماذا يظهر اسم المضيق بشكل متكرر في الخطاب السياسي الإيراني كلما تصاعد التوتر مع الغرب. فالإشارة إليه ليست مجرد تهديد تكتيكي، بل هي تذكير دائم بأن أي حرب مع إيران لن تكون محصورة في نطاق عسكري ضيق، بل قد تتحول إلى أزمة تمس الاقتصاد العالمي بأسره. كما أن هذا التهديد يحمل رسالة موجهة ليس فقط إلى الولايات المتحدة، بل أيضًا إلى القوى الكبرى الأخرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي. فهذه الدول تعتمد بدرجات متفاوتة على استقرار تدفق الطاقة من الخليج، وبالتالي فإن أي اضطراب في المضيق سيؤثر بشكل مباشر في مصالحها الاقتصادية.
من هذا المنظور يمكن فهم إدراج قضية المضيق في الخطاب الأول للمرشد الجديد باعتباره محاولة مبكرة لرسم حدود الردع الإيراني. الرسالة هنا واضحة، إذا تعرضت إيران لضغوط عسكرية قصوى أو لمحاولة خنق اقتصادي كامل، فإن لديها القدرة على تحويل الصراع إلى أزمة أوسع تمس مصالح أطراف دولية عديدة. بعبارة أخرى، التهديد بإغلاق مضيق هرمز لا يهدف فقط إلى ردع الخصوم العسكريين المباشرين، بل إلى تدويل تكلفة الصراع بحيث لا يبقى قرار الحرب قرارًا ثنائيًا بين إيران وخصومها، بل يتحول إلى قضية تمس استقرار الاقتصاد العالمي كله.
ثانياً: الصداقة مع الجوار مع استمرار استهداف القواعد الأمريكية
للوهلة الأولى، يبدو أن هناك تناقضاً في الفقرة التي تجمع بين الدعوة إلى الصداقة مع دول الجوار وبين الإعلان عن استمرار استهداف القواعد الأمريكية، لكنها في الواقع تعكس جوهر التفكير الاستراتيجي الإيراني في المنطقة. إيران تدرك جيداً أن معظم دول الخليج ترتبط منذ عقود بعلاقات أمنية عميقة مع الولايات المتحدة، وأن الوجود العسكري الأمريكي في هذه الدول ليس مجرد تفصيل ثانوي، بل هو جزء أساسي من البنية الأمنية التي تشكلت في الخليج منذ نهاية الحرب الباردة. قواعد عسكرية، اتفاقيات دفاعية، وتعاون استخباراتي واسع كلها عناصر جعلت من الولايات المتحدة الفاعل الأمني الأكثر حضوراً في هذه المنطقة.
لكن في المقابل ووفقاً للعقل الإيراني -الذي لا يحترم سيادة دول الخليج وخياراتها- فإنها تقدم قراءة مختلفة لهذا الواقع المؤسف الذي اعتدت فيه على دول الخليج، وهو العدوان الذي طال منشآت مدنية ولم يتوقف عند ما حددته طهران من استهداف للقواعد العسكرية الأمريكية. الرسالة الأساسية التي يقدمها خامنئي واضحة في عقله وتتمثل في أن المشكلة ليست مع دول الخليج كدول أو كشعوب، بل مع البنية العسكرية الأمريكية التي تستخدم هذه الأراضي كنقطة انطلاق للضغط على إيران، غير أن ما تمارسه إيران من عدوان لا يعكس ذلك.
هذه المقاربة ليست مجرد خطاب دبلوماسي، بل هي جزء من استراتيجية أوسع تسعى إلى تفكيك الجبهة المقابلة لإيران. فبدلاً من مواجهة تحالف إقليمي واسع تقوده الولايات المتحدة، تحاول طهران تحويل الصراع إلى مواجهة مباشرة بينها وبين واشنطن، مع إبقاء دول المنطقة خارج المعادلة قدر الإمكان.
لفهم هذه السياسة يجب النظر إلى العقيدة الاستراتيجية التي تطورت داخل إيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. هذه العقيدة قامت منذ البداية على إدراك أساسي، يتمثل في أن إيران لا تستطيع خوض مواجهة مفتوحة مع تحالف دولي واسع يضم الولايات المتحدة والقوى الغربية ودول المنطقة في وقت واحد. لذلك كان الهدف الدائم للسياسة الإيرانية هو تقليل عدد الخصوم المباشرين قدر الإمكان. بمعنى آخر، تحاول طهران دائماً أن تجعل الصراع يبدو وكأنه مواجهة بينها وبين قوة كبرى واحدة، وليس بينها وبين كتلة إقليمية كاملة.
هذا التفكير يظهر بوضوح في خطاب الدعوة إلى الصداقة مع دول الجوار. فإيران تحاول أن تقول لهذه الدول إن أمنها ليس مهدداً من قبل إيران نفسها، بل من قبل تحويل أراضيها إلى منصات عسكرية تستخدمها واشنطن في صراعها مع طهران.
هذه المقاربة من جهة أخرى، ليست نتاج اللحظة الراهنة فقط، بل لها جذور أعمق في الثقافة السياسية الفارسية عبر التاريخ. فإيران ككيان سياسي قديم عاشت لقرون طويلة في بيئة جيوسياسية معقدة تحيط بها إمبراطوريات وقوى كبرى. في مثل هذه البيئة كان البقاء يعتمد في كثير من الأحيان على القدرة على إدارة التوازنات بدلاً من المواجهة المباشرة.
استهداف الناقلات والسفن في الخليج العربي
في التاريخ الإمبراطوري الفارسي، خصوصاً في عصور مثل الدولة الساسانية، ظهرت تقاليد سياسية تقوم على الجمع بين القوة العسكرية والدبلوماسية المرنة. كانت الإمبراطورية تحاول دائماً منع تشكل تحالفات واسعة ضدها عبر بناء علاقات مع بعض القوى الإقليمية في الوقت الذي تواجه فيه قوى أخرى. هذه الفكرة الأساسية – أي منع تشكل جبهة موحدة من الخصوم – ما زالت حاضرة بدرجات مختلفة في التفكير الاستراتيجي الإيراني المعاصر.
واقعياً، نجد أيضاً أن السياسة الإيرانية الحالية لا تقوم فقط على الإرث الإمبراطوري القديم، بل أيضاً على العقيدة الثورية التي نشأت بعد الثورة الإسلامية عام 1979. هذه العقيدة تمزج بين عنصرين مختلفين: الأول هو الحس القومي المرتبط بتاريخ إيران كقوة إقليمية كبرى. والثاني هو الخطاب الثوري الذي يقدم إيران بوصفها قوة مقاومة للهيمنة الغربية.
هذا المزيج يسمح لطهران بأن تقدم نفسها في المنطقة بطريقتين مختلفتين في آن واحد. فمن جهة تخاطب الشعوب الإسلامية بخطاب مقاومة الهيمنة الأجنبية، وأنها التي تحمي القضية الفلسطينية، ومن جهة أخرى تحاول طمأنة بعض الحكومات الإقليمية بأنها ليست بالضرورة عدواً مباشراً لها. بهذا المعنى، يصبح الحديث عن الصداقة مع الجوار جزءاً من خطاب يهدف إلى إعادة تعريف موقع إيران في المنطقة: ليس كقوة معزولة، بل كدولة تسعى إلى نظام إقليمي جديد يقل فيه الاعتماد على القوى الخارجية.
في المقابل، يشكل الإعلان عن استمرار استهداف القواعد الأمريكية رسالة ردع موجهة إلى واشنطن. حيث تمثل القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج البنية الأساسية التي تسمح للولايات المتحدة بإدارة عملياتها العسكرية في الشرق الأوسط. فمن خلالها تنتشر الطائرات والقوات البحرية وأنظمة الدفاع الجوي التي تشكل العمود الفقري للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. عندما تشير إيران إلى استمرار استهداف هذه القواعد، فهي لا تحاول فقط إلحاق ضرر عسكري مباشر بالقوات الأمريكية، بل تسعى أيضاً إلى رفع تكلفة هذا الوجود العسكري. وهي تهدف إلى الدفع بالتفكير نحو أنه إذا أصبحت هذه القواعد أهدافاً محتملة في أي صراع، فإن ذلك قد يخلق نقاشاً داخل بعض الدول المضيفة حول المخاطر التي يفرضها هذا الوجود على أمنها الداخلي.
استهداف القواعد الأمريكية
ثالثاً: دعوة الشعب إلى الحضور في جميع الميادين
تمثل الدعوة إلى حضور الشعب في جميع الميادين العنصر الداخلي الأكثر أهمية في الخطاب، لأنها تكشف عن أحد الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها التفكير الاستراتيجي للنظام الإيراني، المتمثلة في فكرة المجتمع المقاوم. في السيناريوهات العسكرية التقليدية، تُدار الحروب أساساً عبر الجيوش والمؤسسات الأمنية. لكن في التجربة الإيرانية، خاصة منذ قيام الجمهورية الإسلامية، تطور مفهوم مختلف نسبياً يقوم على اعتبار المجتمع نفسه جزءاً من منظومة الدفاع الوطني. هذا التصور لم يتشكل فقط نتيجة ضرورات سياسية معاصرة، بل هو نتاج تفاعل طويل بين العقيدة الثورية التي نشأت بعد عام 1979 وبين عناصر أعمق في الثقافة السياسية الإيرانية.
فعندما يدعو المرشد الإيراني الشعب إلى الحضور في جميع الميادين -وهو الأمر الذي تحقق اليوم في تظاهرات "يوم القدس"، بتواجد المواطنين في كافة المدن الإيرانية جنباً إلى جنب مع قادة من النظام مثل بزشكيان ولاريجاني-، فهو لا يخاطب فقط المتطوعين في الجبهات العسكرية، بل يخاطب المجتمع ككل بوصفه عنصراً فاعلاً في الصراع. فالحرب، وفق هذا المنطق، ليست مجرد مواجهة بين جيوش، بل هي حالة تعبئة شاملة تشمل السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع.
لفهم ذلك يجب العودة إلى إحدى أهم اللحظات المؤسسة في الذاكرة السياسية الإيرانية الحديثة، المتمثلة في الحرب الطويلة بين إيران والعراق في ثمانينيات القرن الماضي. فخلال تلك الحرب، التي استمرت ثماني سنوات، واجهت إيران وضعاً شديد التعقيد. فقد كانت الدولة حديثة العهد بعد الثورة، كما كانت تعاني عزلة دولية نسبية، بينما كان خصمها يحظى بدعم سياسي وعسكري من عدة قوى إقليمية ودولية.
في هذا السياق برزت فكرة التعبئة الشعبية الواسعة بوصفها أداة لتعويض الفارق في الموارد العسكرية. فقد شجعت القيادة الإيرانية آنذاك مشاركة أعداد كبيرة من المتطوعين في الدفاع عن البلاد، وهو ما ساهم في ترسيخ صورة الحرب باعتبارها حرب مجتمع كامل وليس حرب جيش فقط. هذه التجربة تركت أثراً عميقاً في التفكير الاستراتيجي الإيراني. فالنظام استخلص منها درساً أساسياً، ألا وهو أن قدرة المجتمع على الصمود قد تكون في بعض الأحيان أهم من التفوق العسكري نفسه.
في الخطاب الثوري الإيراني، تُقدَّم فكرة التعبئة الشعبية باعتبارها امتداداً لمفاهيم دينية وسياسية مرتبطة بالتضحية والصمود. فالنظام السياسي في إيران الذي يستند إلى مفهوم ولاية الفقيه، يقينه أنه يمنح القيادة الدينية دوراً مركزياً في توجيه المجتمع. وفي هذا الإطار تُصاغ العلاقة بين الدولة والمجتمع بوصفها علاقة تعبئة مستمرة حول أهداف الثورة. هذا النوع من الخطاب يعتمد كثيراً على مفردات مثل الصبر، التضحية، والثبات. وهي مفردات تُستخدم لتأكيد أن الصراع مع القوى الخارجية ليس مجرد نزاع سياسي، بل اختبار لقدرة المجتمع على الحفاظ على هويته واستقلاله.
إلى جانب البعد الثوري، هناك أيضاً عناصر أعمق مرتبطة بالثقافة التاريخية الفارسية. فإيران كحضارة قديمة مرت عبر تاريخها بفترات طويلة من الصراعات مع قوى كبرى، بدءاً من الإمبراطوريات القديمة وصولاً إلى التدخلات الأجنبية في العصر الحديث. هذه التجارب التاريخية ساهمت في تكوين سردية قومية تركز على فكرة الصمود في مواجهة الضغوط الخارجية. في الأدب الفارسي الكلاسيكي، كما في الملحمة الشهيرة الشاهنامة التي كتبها الشاعر أبوالقاسم الفردوسي، تظهر فكرة الدفاع عن الوطن والهوية كموضوع مركزي يتكرر عبر القصص البطولية.
هذه الرموز الثقافية لا تظهر مباشرة في الخطاب السياسي المعاصر، لكنها تشكل خلفية ثقافية تؤثر في الطريقة التي يُفهم بها مفهوم المقاومة والصمود داخل المجتمع الإيراني.
مسعود بزشكيان وعلى لاريجاني في قلب مظاهرات طهران اليوم
في التجربة الإيرانية المعاصرة يمكن فهم دعوة خامنئي إلى حضور الشعب في جميع الميادين عبر ثلاثة مستويات مترابطة:
المستوى الأول هو التعبئة العسكرية: وهنا يظهر دور مؤسسات مثل قوات الحرس الثوري التي لا تعمل فقط كقوة عسكرية، بل كمنظومة أوسع تشمل شبكات اجتماعية واقتصادية وإعلامية. هذه المؤسسات تسعى إلى دمج فكرة الدفاع عن الدولة في الحياة اليومية للمجتمع.
المستوى الثاني هو التعبئة الاقتصادية: فإيران تعيش منذ سنوات طويلة تحت تأثير العقوبات الاقتصادية، وهو ما دفع القيادة إلى تبني خطاب يركز على مفهوم "الاقتصاد المقاوم". هذا المفهوم يشجع المجتمع على التكيف مع الضغوط الخارجية عبر الاعتماد على القدرات المحلية وتقليل الاعتماد على الخارج.
المستوى الثالث هو التعبئة السياسية والاجتماعية: وهي تعني الحفاظ على درجة من التماسك الداخلي تمنع الضغوط الخارجية من التحول إلى انقسامات داخلية تهدد استقرار النظام.
أيّاً كان الأمر، تعكس هذه الدعوة رؤية أوسع لدور المجتمع في الصراع. فالنظام الإيراني لا يرى الردع العسكري فقط في الصواريخ أو القوات المسلحة، بل يرى أن قدرة المجتمع على الصمود الطويل هي أيضاً جزء من معادلة الردع. فإذا اقتنع الخصم بأن المجتمع الإيراني قادر على تحمل الضغوط لفترات طويلة، فإن ذلك قد يضعف الرهان على أن العقوبات أو الضغوط العسكرية ستؤدي إلى انهيار داخلي سريع. بهذا المعنى، تصبح دعوة الشعب إلى الحضور في جميع الميادين رسالة مزدوجة: رسالة داخلية لتعزيز التماسك الوطني، ورسالة خارجية تقول إن الصراع مع إيران لن يكون صراعاً قصيراً أو سهلاً.
رابعًا: تفعيل جبهات لا يملك العدو خبرة فيها
يكشف الحديث عن تفعيل جبهات لا يملك العدو خبرة فيها أحد أهم أعمدة التفكير العسكري والاستراتيجي في إيران المتمثل في الحرب متعددة الساحات. هذه الفكرة تقوم على مبدأ بسيط لكنه شديد الفاعلية في الاستراتيجيات غير المتكافئة، فإذا كان الخصم يتفوق في ساحة واحدة، فيجب نقل الصراع إلى عدة ساحات في وقت واحد بحيث يفقد هذا التفوق قيمته. ففي الحروب التقليدية، تسعى الدول عادة إلى تركيز قوتها في جبهة رئيسية لتحقيق الحسم العسكري. أما في العقيدة الإيرانية، التي تشكلت في ظل إدراك واضح للفارق الكبير في ميزان القوة مع الولايات المتحدة وحلفائها، فإن المنطق يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا. الهدف ليس حسم المعركة بسرعة، بل توسيعها وتعقيدها بحيث تتحول إلى سلسلة من المواجهات المتشابكة التي يصعب إدارتها من قبل الخصم.
مسعود بزشكيان وعلى لاريجاني في قلب مظاهرات طهران اليوم
ترتبط هذه الفكرة ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الحرب غير المتكافئة الذي أصبح جزءًا أساسيًا من التفكير العسكري الإيراني منذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية. فبعد تلك الحرب أدركت طهران أن التفوق العسكري التقليدي للدول الكبرى يجعل المواجهة المباشرة خيارًا شديد الخطورة، ولذلك اتجهت إلى تطوير نمط مختلف من الصراع يقوم على توزيع الضغوط بدلًا من تركيزها.
من الصعب فهم هذه الاستراتيجية دون الإشارة إلى بعض الخلفيات الثقافية والتاريخية التي شكلت التفكير السياسي والعسكري في إيران. فإيران ككيان سياسي قديم عاشت عبر تاريخها في بيئة جيوسياسية معقدة، محاطة بقوى وإمبراطوريات متنافسة. في مثل هذه البيئة كان البقاء يعتمد كثيرًا على القدرة على المناورة بين عدة جبهات بدلًا من المواجهة المباشرة مع قوة واحدة في معركة حاسمة. في الأدبيات التاريخية الفارسية يظهر هذا النمط من التفكير في قصص الحروب الطويلة التي خاضتها الإمبراطوريات الإيرانية القديمة ضد قوى مثل الإمبراطورية الرومانية. هذه الحروب لم تكن غالبًا معارك حاسمة سريعة، بل صراعات ممتدة تتخللها مراحل من الضغط العسكري والمناورة الدبلوماسية وإعادة توزيع القوة. هذه الخبرة التاريخية الطويلة ساهمت في تشكيل تقليد استراتيجي يميل إلى إدارة الصراع عبر الزمن والمساحة بدلًا من حسمه في معركة واحدة.
في السياق المعاصر تطورت هذه الفكرة إلى مفهوم أكثر وضوحًا داخل المؤسسات العسكرية الإيرانية، خصوصًا داخل قوات الحرس الثوري. يقوم المنطق الأساسي هنا على ركيزة أن الخصم الأقوى عسكريًا يمكن إضعافه إذا أُجبر على القتال في عدة مسارح في الوقت نفسه. فعندما تتعدد الجبهات، يصبح على هذا الخصم أن يوزع موارده العسكرية واللوجستية والسياسية على نطاق جغرافي واسع، وهو ما يقلل من قدرته على تحقيق تفوق حاسم في أي جبهة منفردة. وبالتالي فإن الهدف ليس تحقيق انتصار سريع، بل تحويل الحرب إلى معادلة استنزاف طويلة.
إحدى أهم الساحات التي تعتمد عليها إيران في هذا النوع من الحروب هي الساحة البحرية في الخليج وبحر العرب. فهذه المنطقة تتميز بخصائص جغرافية تجعلها بيئة مناسبة لعمليات غير تقليدية. فالمياه الضيقة نسبيًا، وكثافة حركة السفن التجارية، وانتشار المنشآت النفطية كلها عوامل تسمح باستخدام أدوات عسكرية منخفضة التكلفة نسبيًا لكنها قادرة على إحداث تأثير كبير.
من خلال الزوارق السريعة، والألغام البحرية، والصواريخ الساحلية، تستطيع إيران خلق حالة من عدم اليقين في هذه الممرات الحيوية، وهو ما قد يؤدي إلى اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين والنقل البحري. بهذا الشكل تتحول الجغرافيا البحرية إلى ساحة ضغط استراتيجية لا تعتمد على التفوق العسكري التقليدي بقدر ما تعتمد على تعقيد البيئة العملياتية للخصم.
الساحة الثانية في هذه الاستراتيجية هي الساحة الإقليمية عبر شبكة الحلفاء المنتشرين في عدة مناطق من الشرق الأوسط. تشمل هذه الشبكة قوى مثل حزب الله في لبنان وتنظيم الحوثي في اليمن، إضافة إلى فصائل الحشد الشعبي في العراق. يمنح وجود هذه القوى إيران القدرة على فتح جبهات متعددة في وقت واحد دون أن تضطر إلى نشر قواتها النظامية بشكل مباشر في كل ساحة. وهذا ما يجعل الصراع مع إيران أكثر تعقيدًا، لأن المواجهة لا تبقى محصورة داخل حدود دولة واحدة. ففي حال اندلاع مواجهة واسعة، قد تتحول عدة مناطق في الشرق الأوسط إلى ساحات متزامنة للصراع، وهو ما يزيد الضغط العسكري والسياسي على الخصم.
قصف إسرائيل اليوم
إلى جانب الساحات التقليدية، برز خلال السنوات الأخيرة بعد جديد في الاستراتيجية الإيرانية يتمثل في العمليات السيبرانية. فإيران من خلال الهجمات الإلكترونية يمكن أن تستهدف شبكات الطاقة أو البنية التحتية الرقمية أو المؤسسات المالية أو الطائرات الحربية المعادية، وهي أدوات توفر وسيلة لإلحاق أضرار اقتصادية أو تقنية دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة. هذا النوع من العمليات ينسجم مع فلسفة الحرب متعددة الساحات لأنه يضيف بُعدًا جديدًا للصراع يصعب ربطه بساحة جغرافية محددة.
في بعض السيناريوهات قد يمتد الصراع أيضًا إلى المجال الاقتصادي، خصوصًا في القطاعات المرتبطة بالطاقة والنقل البحري. حيث تدرك إيران أن الاقتصاد العالمي يعتمد بدرجة كبيرة على استقرار تدفقات النفط والغاز من الشرق الأوسط. لذلك فإن أي اضطراب في هذه التدفقات يمكن أن يخلق ضغطًا اقتصاديًا واسعًا يتجاوز حدود الصراع العسكري المباشر.
وبهذا تتحول الحرب من مواجهة بين جيوش إلى شبكة ضغوط متعددة المستويات تشمل الاقتصاد العالمي نفسه. في النهاية، تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحقيق هدفين رئيسيين: الهدف الأول هو إرباك الخصم عبر فتح عدة جبهات متزامنة تجبره على توزيع موارده العسكرية والسياسية. أما الهدف الثاني فهو إطالة أمد الصراع بحيث تتحول الحرب إلى عبء سياسي واقتصادي متزايد على الطرف الأقوى.
ففي الحروب الطويلة غالبًا ما يصبح العامل الحاسم ليس التفوق العسكري وحده، بل القدرة على تحمل الكلفة السياسية والاقتصادية للصراع. ومن هنا يمكن فهم عبارة “تفعيل جبهات لا يملك العدو خبرة فيها” باعتبارها إشارة إلى استراتيجية أوسع تهدف إلى تحويل أي مواجهة مع إيران إلى صراع معقد وطويل الأمد يصعب حسمه بسرعة.
خامسًا: مبدأ الرد بالمثل الإيراني والتعويض من العدو أو تدمير ممتلكاته
الحديث عن الحصول على التعويضات من العدو، أو اللجوء إلى تدمير ممتلكاته في حال الامتناع عن الدفع، يمثل تصعيدًا واضحًا في لغة الردع الإيرانية. فهو لا يقتصر على التهديد التقليدي، بل يعكس فلسفة استراتيجية عميقة مستمدة من العقيدة العسكرية والثقافة السياسية الإيرانية.
المبدأ الذي يعتمد عليه هذا النوع من التصعيد هو الرد بالمثل، وهو جزء أساسي من العقيدة العسكرية الإيرانية، وفكرته واضحة، فأي خسائر تتعرض لها إيران يجب أن تُقابل بخسائر مماثلة أو أكبر للخصم، وهو ما يعكس رغبة في إعادة التوازن في مواجهة قوة أكبر أو خصم متفوق.
هذا المفهوم له جذور ثقافية أيضًا، حيث تكرر في الأدب الفارسي الكلاسيكي، مثل الشاهنامة للفردوسي، حيث الأبطال يردون على المعتدين ليس فقط لحماية أرضهم، بل لاستعادة الكرامة والعدالة. إيران الحديثة تستوعب هذه الرمزية في خطابها السياسي والعسكري، محولةً القيم الثقافية إلى أدوات استراتيجية معاصرة للردع.
قصف إسرائيل اليوم
في الحروب الحديثة، الرد لا يقتصر على الأهداف العسكرية التقليدية مثل القواعد أو القوات المقاتلة. فإيران ترى أن البنية التحتية الاقتصادية، مثل منشآت الطاقة وشبكات النقل والمصالح التجارية المرتبطة بالدول المعادية، تمثل أيضًا هدفًا مشروعًا في سياق الرد بالمثل:
استهداف هذه المنشآت يمكن أن يرفع كلفة الحرب على الخصم بشكل كبير.
هذه الاستراتيجية تجعل أي هجوم على إيران ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبارًا اقتصاديًا واستراتيجيًا شاملًا.
بالتالي، التهديد بـ”تدمير ممتلكات العدو” لا يقتصر على الرد العسكري، بل يمتد ليشمل الأبعاد الاقتصادية والتجارية للمواجهة، وهو ما يتوافق مع فلسفة الحرب متعددة الساحات التي ناقشناها سابقًا.
هذه اللغة تحمل رسائل مزدوجة:
داخليًا: تهدف إلى تعزيز ثقة المجتمع الإيراني بقدرة القيادة على حماية مصالح الدولة. فإظهار القدرة على الرد بالمثل يعطي شعورًا بالأمان ويحفز التعبئة الشعبية، سواء على الصعيد العسكري أو الاقتصادي أو السياسي.
خارجيًا: توجه رسالة واضحة للخصوم بأن أي مواجهة مع إيران لن تكون منخفضة التكلفة. الخصم مطالب بالتحسب لتكاليف مادية مباشرة وغير مباشرة قبل اتخاذ أي خطوة تصعيدية. هذا يرفع من قوة الردع النفسي والسياسي.
الحديث عن التعويض أو التدمير لا تعمل بمعزل عن باقي عناصر الخطاب. فهي تكمل:
التعبئة الشعبية: بحيث يشارك المجتمع في صمود طويل ضد الضغوط الخارجية.
الحرب متعددة الساحات: عبر البحار، الحلفاء الإقليميين، الفضاء السيبراني، والأبعاد الاقتصادية.
الاستراتيجية غير المتكافئة: لتعويض الفارق العسكري التقليدي مع القوى الكبرى.
بهذا الشكل، تتحول فكرة “الحصول على التعويض أو تدمير ممتلكات العدو” إلى أداة متكاملة للردع الاستراتيجي، تجمع بين القوة العسكرية، الضغط الاقتصادي، والبعد النفسي، وتؤكد أن أي مواجهة مع إيران ستكون معقدة وطويلة ومكلفة على الخصم.
سادسًا: شكر حلفاء شبكة النفوذ الإقليمي كأساس للاستراتيجية الإيرانية
في نهاية خطاب مجتبى خامنئي، جاءت الإشارة إلى الحلفاء الإقليميين، وعلى رأسهم حزب الله وتنظيم الحوثي، كعنصر محوري في الرسائل السياسية التي أراد إرسالها. هذه الإشارة ليست مجرد شكر بروتوكولي، بل تأكيد على العمود الفقري للاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، المتمثلة في الاعتماد على شبكة واسعة من الحلفاء لتعويض محدودية القوة العسكرية المباشرة.
حيث أن إيران تستفيد من هذه الشبكة على مستويات متعددة:
العسكري: الحلفاء المحليون مثل حزب الله والحوثيين يشكلون امتدادًا لقوة إيران العسكرية، ويتيحون لها فتح جبهات متعددة دون الحاجة لنشر قواتها النظامية مباشرة. هذا يخلق تأثيرًا مضاعفًا على الخصوم ويصعب عليهم حصر مصادر التهديد.
السياسي والدبلوماسي: التقدير والاعتماد على هذه الشبكات يعزز النفوذ الإيراني في العواصم الإقليمية، ويمنحها القدرة على إملاء شروطها على جبهات مختلفة، سواء في لبنان، اليمن، أو العراق وسوريا.
الرمزي والثقافي: عبر دعم هذه الحلفاء، تقدم إيران نفسها بوصفها قوة مقاومة، ملتزمة بمفهوم “الدفاع عن محور المقاومة”، وهو خطاب ينسجم مع البعد الثوري للعقيدة الإيرانية ويقوي صورة الجمهورية الإسلامية كقوة إقليمية مؤثرة.
هذه الاستراتيجية ليست وليدة السياسة المعاصرة، بل لها جذور في الثقافة الفارسية والتجربة التاريخية الطويلة لإيران:
عبر التاريخ، اعتمدت الإمبراطوريات الإيرانية على شبكات التحالفات الإقليمية لتوسيع دائرة نفوذها دون الدخول في مواجهات مفتوحة مع جميع القوى الكبرى.
الأدب الفارسي الكلاسيكي، بما في ذلك الشاهنامة للفردوسي، يبرز باستمرار فكرة استخدام الذكاء والتحالفات الاستراتيجية كوسيلة لتحقيق الهدف، بدل الاعتماد على القوة العسكرية التقليدية وحدها.
فشبكة الحلفاء تمنح إيران مرونة كبيرة في إدارة الصراع الإقليمي:
في اليمن، تمكن الحوثيون إيران من ممارسة ضغط على الملاحة في باب المندب والمحيط الإقليمي.
في لبنان، يسهم حزب الله في تثبيت النفوذ الإيراني في الشمال الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ويشكل عامل ضغط دائم على إسرائيل وأوروبا.
في العراق، تساعد الميليشيات الموالية لإيران على التأثير في القرار السياسي والعسكري المحلي، وتوفير خطوط دعم استراتيجية للمواقف الإيرانية.
باختصار، هذه الشبكة تحول الصراع مع إيران إلى شبكة معقدة من الجبهات الممتدة جغرافيًا ومؤسسيًا، مما يجعل أي مواجهة مباشرة أكثر تكلفة وتعقيدًا على الخصم.
ويبقى أن الإشارة إلى الحلفاء ليست موجهة فقط للإقليم، بل تحمل رسائل استراتيجية دولية:
تحذر الولايات المتحدة وحلفاءها من أن أي عمل عسكري ضد إيران لن يكون محدودًا داخل حدودها، بل سيشمل شبكة جبهات يمتد تأثيرها على عدة دول.
توضح أن أي ضغوط اقتصادية أو عسكرية قد تُستجاب بردود فعل غير مباشرة عبر هؤلاء الحلفاء، ما يزيد من تكلفة المواجهة على المستوى الدولي.
يمثل ذلك تأكيدًا على استراتيجية إيران القائمة على القوة غير المباشرة:
الاعتماد على وكلاء إقليميين لزيادة التعقيد على الخصم.
إطالة أمد الصراع وجعل إدارة المواجهة أكثر تكلفة.
دمج الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية في منظومة واحدة للردع.
بهذا، تتحول شبكة الحلفاء إلى رافعة استراتيجية رئيسية، تمكن إيران من تعزيز نفوذها الإقليمي، حماية مصالحها الحيوية، ورفع كلفة أي مواجهة محتملة على القوى الكبرى.
سابعًا: سيناريوهات ما بعد خطاب مجتبى خامنئي
الخطاب الأول للمرشد الأعلى الجديد لا يمثل مجرد كلمات رمزية، بل خارطة طريق محتملة للمرحلة القادمة في الشرق الأوسط. قراءة الرسائل المبطنة فيه تكشف عن ثلاثة سيناريوهات رئيسية، يمكن أن تتداخل وتتقاطع بحسب ردود الفعل الإقليمية والدولية وقدرة الأطراف على إدارة الأزمة.
السيناريو الأول: التصعيد التدريجي الخاضع للضبط في هذا السيناريو، تستمر إيران في مزيج من الضغوط العسكرية المحدودة والهجمات غير المباشرة، مع مواصلة التعبئة الداخلية والتحركات الإقليمية عبر شبكة الحلفاء، ويحقق ذلك الأهداف التالية:
استهداف القواعد الأمريكية بشكل دوري، عمليات بحرية محدودة في مضيق هرمز، وبعض الهجمات السيبرانية على البنى التحتية.
إبقاء الخصم في حالة توتر مستمرة، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
السماح لطهران باختبار فعالية استراتيجيتها متعددة الساحات، مع الحفاظ على مرونة الردع.
إبقاء التوتر مستمرًا بين دول الخليج، بينما يحافظ اللاعبون الدوليون مثل الولايات المتحدة وأوروبا على توازن هش بين الردع والدبلوماسية لتجنب انفجار مباشر.
السيناريو الثاني: التوسع الإقليمي للمواجهة إذا تحولت بعض الجبهات غير المباشرة إلى ساحات أكثر نشاطًا، فقد يمتد الصراع ليشمل عدة مسارح في الوقت نفسه، كما يلي:
تصعيدًا في اليمن عبر الحوثيين، أو مزيد من تفجير الوضع في لبنان عبر حزب الله، أو حتى في العراق من خلال ميليشيات موالية لإيران.
وضع القوى الكبرى أمام معادلة صعبة، فهل تتجه نحو مواجهة مباشرة أم تستمر في إدارة الصراع غير المباشر؟
إيران في هذا السيناريو تسعى إلى استنزاف الخصم تدريجيًا عبر تعدد الجبهات، مستفيدة من العقيدة الاستراتيجية القائمة على الحرب متعددة الساحات، ومتصلة بجذرها التاريخي والثقافي الذي يركز على الصمود والتكتيك الطويل المدى. النتيجة المحتملة هنا هي رفع تكلفة أي مواجهة محتملة على الخصوم، مع استمرار حالة عدم اليقين التي تضغط على الاقتصاد الإقليمي والعالمي.
السيناريو الثالث: التصعيد الكبير وإشعال الأزمة السيناريو الأكثر خطورة يشمل تهديد الملاحة في الخليج، ضرب المنشآت الحيوية للطاقة، أو حتى تصعيد واسع النطاق ضد مصالح أمريكية وإقليمية، كما يلي:
في هذا السيناريو، تتحول النزاعات الاقتصادية والسياسية إلى أزمات عالمية، حيث ترتفع أسعار النفط وتتعرض سلاسل الإمداد العالمية لهزات.
التدخل الدولي يصبح أكثر احتمالًا، بما في ذلك تزايد التواجد العسكري الأمريكي أو تحرك دول أخرى لتأمين مصالحها.
إيران، من جانبها، تستفيد من فلسفة الردع والانتقام لتأكيد أن أي عدوان سيقابل بمكافئ اقتصادي وعسكري مكثف، بما يعكس العقيدة الإيرانية في تحويل أي مواجهة إلى عبء طويل الأمد على الطرف الأقوى.
رغم هذه السيناريوهات الثلاثة المختلفة، يبقى عامل القدرة على ضبط التوتر وإدارة الأزمة هو الحاسم. حيث أن الانزلاق إلى مواجهة لا يمكن السيطرة عليها ليس مجرد احتمال نظري، بل خطر واقعي في منطقة ذات حساسية شديدة، حيث مسافة الانزلاق من خطاب سياسي إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تكون قصيرة جدًا. من هنا، فإن إدارة التصعيد من الجانب الإيراني تعتمد على توازن معقد بين ردع الخصم، تحصين الداخل، الحفاظ على شبكة الحلفاء، وإرسال رسائل واضحة للعالم عن تكلفة أي تصعيد.
الرسالة النهائية واضحة، فأي مواجهة مع إيران -من وجهة نظر خامنئي- لن تكون مجرد صراع محدود، بل اختبار شامل لقدرة المنطقة والعالم على إدارة أزمة طويلة ومعقدة، حيث التكلفة السياسية والاقتصادية قد تفوق كل التقديرات السابقة.
استهداف الناقلات والسفن في الخليج العربي