جرى شهر القرآن سريعًا، وبدأت فعليًا، الليالي الأعظم على الإطلاق، ومنها ليلة، رقّ ماؤها، وطاب هواؤها، وصفت سماؤها، هي الليلة الموعودة، الليلة المأمولة، الليلة المنشودة، ليلة الرحمة والرضوان، ليلة الفوز بجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ..
يا باغيَ الخيرِ أقبلْ، أقبلْ أكثرَ وأكثرَ، ويا باغيَ الشرِّ أقْصرْ، أقْصرْ أكثرَ وأكثرَ. تعددت أسماؤها، في كتاب ربنا، القرآن الكريم، لعلو شأنها، ورفعة مكانتها، فهي ليلةُ التنزيلِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.. وهي الليلةُ المباركةُ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾.. وهي ليلةُ الفصلِ والتقديرِ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾.. وهي ليلةُ الخيرِ كُلِّه: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.. هي ليلةُ السلامِ والطمأنينةِ: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.. هي ليلةُ غفرانِ الذنوبِ، قالَ النبيُّ، صلّى اللهُ عليه وسلّمَ: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ)..
وفي تسميتها بليلة القدر، خمسة أقوال: أولها: أنَّها ليلة عظيمة الشأن، رفيعة القدر، يُقال فلانٌ هَذَا، له قدرٌ، والشاهد: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾..وثانيها: من الضيق، أي هي ليلة تضيق فيها الأرض بالملائكة المنزلين، والشاهد: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾.. وثالثها: أنَّ القدرَ هو الحُكم والقرار، كأنَّ الأشياء تُقدر فيها. ورابعها: أنَّ مَنْ لم يكنْ له قدرٌ، من قبلُ، صارَ بفضلِها الآن، ذا قدرٍ عندَ اللهِ. وخامسها: لأنَّه نزل فيها كتابٌ ذو قدرٍ، ورحمةٌ ذاتُ قدرٍ، وملائكةٌ ذوو قدرٍ، على أمةٍ ذاتِ قدرٍ، مع نبيٍّ ذي قدرٍ..
عن عائشةَ، رضي اللهُ عنها، قالت: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، بِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: قُولِي: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي".. تبسيط وتيسير وبلاغة منه، صلى الله عليه وسلم، ففي الْعَفْوِ كُلُّ خيرٍ، عَفْوٌ من الذنوبِ والخطايا، من المرض والسقم، من الجهل والظُلم، من القهر والغدر، من ضلال الرأي وسوء الاختيار، من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، من كُلِّ مكروهٍ وسوءٍ.
ومن الأصوب للإنسان، في هذه الليالي الأجمل، تنويع سلة العمل الصالح، فتكون مزيجًا يجمع كُلَّ وجوه الخير، الصلاة والقرآن، الدعاء والاستغفار، الاعتكاف وقيام الليل، التواصل وصلة الأرحام، الصدقة والزكاة، إطعام الطعام، وإدخال السرور على الناس، والسعي لقضاء حوائجهم.
قليل من العمل، مع كثير من الإخلاص، وصدق النية، سبيلنا للعبور في هذه الليالي الطيبة، التي لا تأتي في العامِ كُلِّه، إلا مرةً واحدةً، والمحرومُ حقًّا، مَنْ حُرِمَ خيرَها. فَاللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي..