مجموعة من المساجين ينتظرون مصيرًا مجهولًا، قد يكون الموت وربما الحياة.. لا يدرون. اثنان منهم تأتيهما رؤى غريبة لا يدرون لها تأويلًا، وفجأة وهم في حيرة من أمرهم يدخل عليهم سجين جديد، شاب جميل الوجه حسن الخلق والحديث، ذو هيبة ووقار، فيهرعون إليه على الفور يطلبون تفسيرًا لأحلامهما ويبادره أحدهما قائلًا: "إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَعۡصِرُ خَمۡراۖ" ويلحق به الآخر قائلًا: "إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَحۡمِلُ فَوۡقَ رَأۡسِي خُبۡزا تَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِنۡهُۖ" ويرجونه متوسلين أن "نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِيلِهِۦٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ".
لم يعتبرها الفتى فرصة لاستعراض قدراته الخارقة حتى يستتب له الأمر بينهم، فهو يعلم جيدًا أن له مهمة محددة لها أصول ومقتضيات، لكن كيف يبدأ الحديث ويديره؟ كيف يدعوهم إلى الله الواحد وهم يؤمنون بآلهة متعددة؟ وما حاجتهم لذلك الآن، إن كل ما يريدونه هو تفسير رؤاهم للاطمئنان على حياتهم. لذلك فكر وقرر وبدأ حديثه مطمئنًا إياهم ليس فقط بقدرته على تفسير رؤاهم بل أكثر من ذلك بكثير فقال: "لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَام تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ". ثم تأتي خطوته التكتيكية الثانية، فيوضح لهم أنى له تلك القدرة الخارقة، ما مصدرها وما هو سبب وجودها في سيرته الذاتية فيخبرهم: "ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ".
إلى هنا كان يمكن الاكتفاء والبدء في تفسير الرؤى، لكن كما قلت، في جعبة الفتى منهج جديد يمكن أن يحقق لهؤلاء المساجين مكاسب غير عادية، والمنهج الجديد يحتاج دومًا إلى أسلوب خاص في عرضه حتى يقتنعوا به ويجذبهم إليه جذبًا. هو يعلم جيدًا أن الهرولة إلى طاعة الله ليست أمرًا يسيرًا، لذلك أخبرهم في البداية، إن كنتم تريدون المهارة فأنا أملكها بل وأكثر مما تظنون، وقد أخبرتكم أن مصدرها هو الله سبحانه وتعالى. الطبيعي عندئذ أن يتساءلوا من هو الله؟ ولماذا لا تهبنا آلهتنا مثل تلك القدرات؟ وهنا ينتقل إلى الخطوة الثالثة ليخبرهم عن الله فيقول: "إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡم لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ".
ما زال الأمر غامضًا عليهم بل ربما زاد غموضًا أكثر وأكثر وزادت التساؤلات، تقول أن لك إله علمك تأويل الأحاديث، وأنك تركت ملة هؤلاء القوم الكافرين الذين لا يؤمنون به؟ فإلى أين ذهبت ومن اتبعت؟ فيأتي الجواب من يوسف: "وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيعۡقُوبَۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيۡءۚ ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ".
حتى تلك اللحظة اكتفى الصديق بعرض سيرته الذاتية وكيف نشأت وتطورت إلى أن أصبح ذلك الشخص ذو المهارة الذي يرجون منه القيام بمهمة تفسير رؤاهم. وبمجرد أن تيقن أن المقابلة قد حققت هدفها وأنهم أصبحوا على استعداد للإنصات، انتقل إلى خطوته الرابعة، وبدأ في عرض قضيته التي يعلم جيدًا أنها قد تقابل بالرفض ككل الأفكار الجديدة. ولذلك توجه إليهم متسائلًا بمنتهى الود وعدم التكبر: "يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَاب مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡواحدُ ٱلۡقَهَّارُ"، ثم يفسر لهم الفرق بين الواحد القهار وتلك الأسماء التي ابتدعوها وعبدوها فشرح لهم أن "مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآء سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ" وفي تلك اللحظة عندما أصبحوا جاهزين لتلقي الأمر، طرحه عليهم: "إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ".
ها هو قد عرض قضيته لكن هل انتهى الأمر؟ بالطبع لا فهو ما زال لم يجبهم عن سؤالهم، تفسير الرؤية التي انتظروا وأنصتوا إلى حديثه كرامة لها، ليس من المعقول إذن أن يكتفي بهذا القدر وينهي المقابلة دون أن يقدم لهم البرهان والدليل الذي يثبت لهم صدق حديثه وقدرة إلهه غير المحدودة التي أنعم عليه ببعض منها، فنجده يعلن لهم حل لغزهم بمنتهى الثقة والحزم: "يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡراۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ".
موقف آخر يظهر ويبين أن "أخذ الحق صنعة". ها هو الملك يرى في منامه "سَبۡعَ بَقَرَٰت سِمَان يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَاف وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡر وَأُخَرَ يَابِسَٰتۖ" فيلجأ إلى كهنته "أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ" لكنهم يفشلون في تنفيذ المهمة، ويبررون فشلهم بأنها مجرد "أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰم". لكن هناك من يحضر ذلك الاجتماع وينصت لما يحدث، ويتذكر فجأة ذلك السجين ذو الوجه الحسن، فيتقدم إلى الملك عارضًا مساعدته: "أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ".
وعندما يذهب إلى السجن ويعرض رؤيا الملك طالبًا مساعدته في تفسيرها، لم يسهب يوسف في عرض سيرته الذاتية كما فعل من قبل، كان ذلك مناسبًا عند تفسير رؤى السجينين، فهو يدعو إلى أمر جديد عليهم ولو بدأ بتفسير رؤاهم ربما كانوا انصرفوا عنه ولم يلتفتوا إلى باقي حديثه، لذلك بدأ حينئذ بما يريد وأجل ما يريدون حتى يضمن حرصهم على البقاء والانتباه إليه فيتمكن من تحقيق غايته.
لكن هذه المرة نجده وقد اتبع الإستراتيجية التي تناسب الموقف. ملك في حيرة من أمره، من حوله عاجزين عن حل مشكلته، ويوسف لديه الحل، لكنه يريد أن يثبت براءته للجميع وينتصر لنفسه ويخرج من هذا السجن.. كيف يفعلها إذن؟ أعطاهم ما يريدون دون أن يسألهم أي مقابل فقال: "تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَروهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ" ثم أنذرهم أنه سوف "يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡع شِدَاد يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ" وأخيرًا بشرهم: "ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَام فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ". وترك صاحبه يغادر السجن دون أن يطلب منه شيئًا، ليعود إلى الملك ويخبره بالتفسير، لينبهر الملك ويطالبهم أن يأتوه بهذا السجين الخبير بتفسير الأحلام.
وتأتي اللحظة التي أعد لها يوسف إعدادًا: "فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيۡدِهِنَّ عَلِيم". الآن تريدون يوسف؟ فلتثبتوا براءته أمام كل الناس أولًا، وبالفعل تنجح خطة يوسف، فالملك لا يمكنه أن يتجاهل مطلب يوسف مضحياً بتلك المهارة الفائقة التي أثبتها لهم والتي أبهرت الجميع. لذلك قرر الملك أن يحقق في الأمر، ما تهمته وما سبب سجنه؟ هؤلاء النسوة؟ سألهن: "ما خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِ" وتأتي الإجابة لتبرئ ساحة يوسف أمام الجميع: "قُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءۚ" وأكثر من ذلك أن تنبري من رتبت له تلك المكيدة وتعترف قائلة: "أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ".
وعندئذ يثبت للملك ليس فقط مهارة يوسف في تفسير الأحاديث، لكنه يجد نفسه أمام شخص كان محطًا لأنظار الجميع وإعجابهم، فكان لابد وأن يتساءل عن سبب ذلك ويصر على رؤيته والتعرف عليه وتقريبه من مجلسه والاستفادة منه إلى أقصى درجة فأمرهم: "ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ للنَّفۡسِيۖ"، ويلبي يوسف الدعوة تلك المرة، فيأتي شامخًا ثابتًا منزهًا من الشبهات التي أثاروها حوله فيكلمه الملك ويرفع مكانته قائلًا: "إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِين".
كان يمكن أن يقوم بتفسير رؤية الملك فيأمر الملك بإطلاق سراحه وإعطائه مكافأة، لكن الاستراتيجية والتكتيكات التي اتبعها كان لها وقع آخر. لقد تعمد أن يبهرهم أولًا بتفسير الرؤية التي عجز الجميع عنها، فيتملك الشغف من الملك لرؤية هذا الشخص ولو على سبيل "حب الاستطلاع"، لكن المفاجأة أن السجين يرفض الخروج من السجن قبل أن يعيدوا فتح باب التحقيق في قضيته. من يفعل ذلك إلا من كان على يقين من براءته ومصرًا على إظهارها للجميع. في تلك اللحظة لا مفر أمام الملك من إنصافه، وربما إن تحدث إليه وأدرك تميزه قربه منه وجعل له مكانة متميزة، وهو ما حدث بالفعل، جعله على خزائن الأرض.