على غرار تجار السلاح الذين تروج بضاعتهم وقت الحروب، والأزمات، هناك متربحون من التجار ينتهزون الفرصة، ويعضون عليها بنواجزهم ليتكسبوا من معاناة المواطنين.
هؤلاء المتاجرون بقوت البسطاء أسلوبهم معروف، ومكرر . يبدأون بتخفيض ضخ السلع إلى الأسواق، ثم يحجبونها رويدًا رويدًا، وفي كل مرحلة ترتفع الأسعار وتزيد مكاسبهم الحرام.
مواجهة هؤلاء بإجراءات حكومية إدارية فقط وسيلة لم يثبت نجاحها في أي دولة خاصة مع اتساع الأسواق، وتمددها جغرافيا . فشل الحكومات في ضبط الأسعار رغم وجود أجهزة رقابية ليست ظاهرة مصرية فقط، لكنها ظهرت في كثير من الدول. أي جهاز رقابي مثل حماية المستهلك، أو مباحث التموين لا يستطيع عمليا إجبار التاجر على البيع بأسعار محددة في ظل ما يطلق عليه حرية التجارة، وبالتالي ينحصر دور هذه الأجهزة في منع الغش التجاري، وليس تحديد الأسعار.
في الدول المتقدمة تسيطر سلاسل تجارية ضخمة على جزء كبير من السوق، فتشتري مباشرة من المنتجين بكميات كبيرة، وتخفض الأسعار، بينما في مصر ما زال الجزء الأكبر من التجارة يتم عبر محلات صغيرة منفصلة .مشكلة السوق المصرية في هيكله، وليس فقط في سلوك التاجر الأخير الذي يتعامل مع المستهلك فكثير من السلع تمر عبر مستورد، ثم تاجر جملة كبير، فتاجر جملة صغير، ثم نصف جملة لتصل إلى تاجر التجزئة، وكل حلقة تضيف هامش ربح ليصبح السعر النهائي للمستهلك أعلى بكثير من السعر العادل.
يبلغ إجمالي منافذ بيع المنتجات الغذائية بمصر وفقا لما هو منشور أكثر من 150 ألف منفذ منها 40 ألف منفذ تمويني، و25 ألف سوبرماركت، ونحو 100 ألف محل بقالة تقليدي . السوق المصرية شديدة التشتت تسيطر الدولة على جزء، ويهيمن القطاع الخاص على النسبة الأكبر مما يحول دون ضبط الأسعار للمستهلكين.
إطلاق الدولة المشروع القومي " كاري اون" بهدف تطوير منظومة التجارة الداخلية، وتوفير السلع الأساسية بأسعار عادلة للمواطنين يعكس إدراكها أن القرارات الإدارية فقط لن تضبط الأسواق، وأنه يجب الاحتكام إلى قواعد العرض، والطلب، والقضاء على الحلقات الوسيطة بين المنتج، والمستهلك، ومن ثم منافسة من يغالون في الأسعار، ويتحكمون فيها.
نجاح المشروع الذي أطلقته الدولة يتوقف بشكل أساسي على مجموعة من العوامل يأتي على قمتها الابتعاد عن الإدارة البيروقراطية لتوفير المرونة للقائمين على المشروع للتعامل مع المتغيرات المتلاحقة بالأسواق، أيضا توفير التمويل اللازم لتحويل المجمعات الاستهلاكية إلى نماذج متطورة، وتحديث الجمعيات التعاونية وربطها بالمزارعين، مع تطوير منظومة التموين رقميا، كما أن رقابة التزام منافذ المشروع بالأسعار المحددة مركزيا وفق تكلفة الشراء، والنقل عنصر حاسم لنجاحه لأن الهدف هو ضبط الأسواق وليس مجرد بيع السلع.