لولا الفلسطينية لماتت القضية!!

11-3-2026 | 16:02

نعم.. هي المرأة الفلسطينية التي تستحق كل الاحترام والتقدير والتكريم، بمناسبة وبدون مناسبة؛ فالمناسبة هي ذكرى اليوم العالمي للمرأة، الموافق السبت الماضي 8 مارس، وبدون مناسبة، فهي لا تنتظر المناسبة لأنها حاملة ومساندة ومشجعة ومعلمة ومربية وملهمة لمن يحملون راية قضية العرب والمسلمين الكبرى "قضية فلسطين" على مدى نحو 80 عاماً بلا كلل أو ملل أو شكوى، ودون انتظار الجزاء، والتي لولاها لذابت القضية، "لولا الفلسطينية لماتت القضية".

نتذكر إحدى الفلسطينيات، وهن كثر، وهي الشاعرة "فدوى طوقان: 1917- 2003"، التي ألهمت أشعارها وأنبتت لمقاومة لم تهزم، منذ بداية الاحتلال البريطاني لفلسطين إلى اليوم، حتى أطلق عليها الشاعر محمود درويش لقب "أم الشعر الفلسطيني"؛ فقد غمر إحساسها بانتمائها لوطنها كافة المشاعر الشخصية والعاطفية والإنسانية ليصبح حبها لبلدها هو قمة العشق والرومانسية، كانت مثالاً حياً للمقاومة، حتى أنها قاومت كل الظروف فداءً عن وطنها، ومن كلماتها: "كفاني أموت عليها وأدفن فيها.. وتحت ثراها أذوب وأفنى.. وأبعث عشباً على أرضها.. وأبعث زهرةً إليها.. تعبث بها كف طفل نمته بلادي.. كفاني أظل بحضن بلادي.. تراباً،‌ وعشباً، وزهرة".

شغلت فدوى عدة مناصب جامعية، كان آخرها منصب أمينة السر في مجلس أمناء جامعة النجاح الوطنية بنابلس، وحملت قضية فلسطين في قلبها ولسانها وقلمها، وهي تشارك في مؤتمرات وندوات واجتماعات فكرية وأدبية على المستوى العربي والإقليمي والعالمي، وركزت حياتها للشعر والأدب، وصدر لها عدة مجموعات شعرية، وتُرجمت بعض أشعارها إلى عدة لغات منها الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والسويدية والروسية والتركية والفارسية والعبرية، ونالت العديد من الأوسمة والجوائز العربية والعالمية.

كثيرات هن الفلسطينيات؛ فمنهن الاستشهاديات، والمناضلات، والناشطات، والمعلمات؛ فالمعلمة الفلسطينية تمكنت، رغم المحن، من وضع الفلسطينيين في صدارة قائمة الدول العربية الأفضل تعليماً، حيث تتمتع فلسطين بواحد من أدنى معدلات الأمية في العالم، إذ وصلت نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة بين الفلسطينيين "15 سنة فأكثر" إلى 97.9% عام 2024. وتعتبر هذه النسبة من بين الأعلى عربياً وإقليمياً، رغم التحديات الكبيرة التي يواجهها قطاع التعليم هناك.

عندما نتذكر الضحايا من الأطفال، بل والكبار أيضاً، لا تتوقف آلام المحنة والفقد عند غياب هذه الأرواح البريئة إلى بارئها، بل تتعاظم هذه الآلام في قلوب النساء التي حملت أصحاب تلك الأرواح، وتتضاعف آلامهن عندما يتعرض أطفالهن إلى الموت البطيء، وهم بين أيديهن، بسبب الجوع والحروب.. لقد أعادت لنا "الفلسطينية" زمن المعجزات التي نشاهدها حية، تتكرر كل يوم في فلسطين.

هي تقف بصلابة بجانب أو خلف أو أمام المقاومين هناك، فهم ينشأون ويتعلمون وينطلقون من حاضنة المرأة الفلسطينية، التي بالرغم من صمودها وقوتها إلا أن لديها سمة شاركن فيها جميعاً بلا استثناء، حيث يعانين من فقدان أخ أو زوج أو ابن أو قريب، إما شهيداً أو أسيراً أو مصاباً.

لا تمتلك الإمكانات، ولكن لديها اليقين والإرادة؛ فهذه المرأة قتل الصهاينة أسرتها فاحتسبت، وهدموا بيتها فامتثلت، وسلبوا حريتها فصبرت.. هي الطاقة الروحية والوجدانية للمقاومة الفلسطينية، لم تتوقف الحروب التي عاصرتها وما زالت.

العقائد السماوية وقفت معها، حيث الإسلام رحم المرأة فأسقط عنها الشهادة في الدماء والجنايات تقديراً لرقة قلبها، ورعايةً لمشاعرها عند رؤية هذه الحوادث، كما أسقط عنها فريضة الجهاد رأفةً بها، كما رحم المرأة فجعل كفنها أكثر من كفن الرجل فتُكفن في خمسة أثواب رعايةً لحرمتها.

قرأت في يوم المرأة، نقلاً عن د. أحمد عادل نور الدين، أستاذ جراحة التجميل بطب القصر العيني، أنه لو كان ليوسف أخوات لدافعن عنه، ووضعنه في أعماق القلب لا أعماق الجب، ولو كان ليوسف أخت واحدة، لتقصت أثره، كما فعلت أخت موسى، لتعيده إلى حضن أبيه.. البنات لا يعرفن الطريق للجب بل يعرفن الطريق للحب.

هي الحاضنة للشعب، تعيش وتتعايش في ظروف كارثية تنعدم فيها أدنى مقومات الحياة، ونظراً للمعاناة المتواصلة للشعب الفلسطيني، فقد حولت الفلسطينية التقاليد والعادات الإنسانية؛ فقد أصبحت أفراح العائلات تتم في صمت، إلا أن الأفراح وأصوات السرور والمرح تتعالى عند استشهاد أحدهم، نعم بدلت الفلسطينية التقليد الإنساني وحولت الفرح إلى صمت، والحزن إلى فرح، كم أنتِ قوية أيتها المرأة الفلسطينية، وتستحقين كل التقدير والإجلال؛ ففي الوقت الذي تبحث فيه المرأة والفتاة في العالم، في يوم عيدها، عن المزيد من الحقوق والعدالة والمساواة بالرجل، فإن نظيرتها الفلسطينية تتطلع فقط لمجرد الحياة.. نعم أنتن الحياة وروحها.

كلمات البحث