ثمة توافق واسع في الآراء على أن الحرب الدائرة الآن هي حرب نتنياهو، وأن إسرائيل جرت الولايات المتحدة للحرب، وهي الآن تبذل أقصى ما تستطيع لفرض الحرب على الدول العربية، وخاصة دول الخليج. وهنا لابد من التأمل في دروس حرب نتنياهو، مهما كانت قاسية ومؤلمة.
الدرس الأول: إسرائيل أولًا. لقد أثارت الحرب على إيران استنكار الكثيرين في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، واتهم المعلّقون إسرائيل بجرّ رِجْل واشنطن في المعركة، وذلك بعد أن أدلى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بتصريح مفاده أن تصميم الدولة العبرية على ضرب طهران اضطر أمريكا للتدخل. رغم كل شيء تتمكن إسرائيل من استخدام أمريكا لتنفيذ أجندتها، رغم معارضة قطاع واسع لحروب إسرائيل التي لا نهاية لها.
الدرس الثاني: مخطط أمريكي لتغيير المنطقة. يرى الأمين العام للجامعة العربية السابق عمرو موسى أن "تغيير الشرق الأوسط وإخضاع العالم العربي عنوان مهم للمرحلة يجب الاستعداد له، وتقديم طرح بديل، ويجب أن يناقش الأمر من زاوية أن نكون أو لا نكون، وأن نرتفع إلى مستوى المسئولية بالإعداد للتعامل مع التطورات الخطيرة التي تتعرض لها المنطقة بأسرها ونتائجها المستقبلية التي تخلق مرحلة عدم استقرار إقليمي شاملة وممتدة".
ويرى موسى أن "الهجوم الجاري على إيران ليس مجرد مغامرة إسرائيلية نجح نتنياهو في جر الولايات المتحدة إليها، بل تحرك أمريكي إستراتيجي مخطط وظفت فيه واشنطن إسرائيل كشريك إقليمي، في خطوة رئيسية نحو تغيير الشرق الأوسط، بما فيه العالم العربي، إلى وضع جيوسياسي إقليمي تحاول إسرائيل قيادته".
وأضاف أن "إيران تبدو غير مستعدة للاستسلام كما طالب الرئيس ترامب، بل إنّ سيناريو "علي وعلى أعدائي" يكون الأقرب إلى منطق الصراع الجاري.. أي أن المنطقة أمام مشهد انتحاري لن يبقي ولا يذر، ويجب وجوبًا التحسب له، مع ضرورة استمرار الموقف العربي المساند لدول الخليج في مواجهة الهجمات الإيرانية.
الدرس الثالث: نتنياهو وترامب يعيدان رسم خرائط المنطقة. لقد تبجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بذلك مرات عدة، ولخص أوفير فالك مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المواجهة مع إيران وحركة حماس بالقول إن "نتنياهو اليوم لا يزال هنا، فهو والرئيس ترامب بصدد إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط". وقد عدّد جيلًا كاملًا من القادة الذين اغتالتهم تل أبيب، صاحبة اليد الطولى في المنطقة.
الدرس الرابع: تفتيت إيران وتحويلها لدولة فاشلة. ليس أمرًا غريبًا، فهذا أمر معلن، ويقول مستشار نتنياهو أوفير فالك: "لقد جاء الدور على إيران التي دعمت حركة حماس بقوة لكن الآن يجري تفكيكها". وتوقع فالك أنها ستخرج أضعف من هذه المواجهة مهما كان مآل هذه الحرب، وأن هدف إسرائيل هو قيام نظام ملكي مثل الذي كان قبل الثورة الإسلامية، واعترف باحتمالية حدوث تفتيت لإيران وتحولها إلى دولة فاشلة.
الدرس الخامس: دول الخليج سوف تدفع الثمن. أعتقد أن هذه هي النتائج المريرة، والتي يجب مواجهتها والتحسب لها بدلًا من الجلوس في انتظارها. وقالت الفايننشال تايمز البريطانية إنه "إذا أنهت الولايات المتحدة الحرب ضد النظام الإيراني من دون الإطاحة به، تكون بذلك قد تركت لدول الخليج في محيطها "نَمِرًا جريحًا" أثبتَ قُدرةً واستعدادًا لقصف عواصم تلك الدول، وإذا أطاحت الولايات المتحدة بالنظام في إيران، تكون بذلك قد تركت لدول الخليج في محيطهم "دولة فاشلة ومُفتتة" من غير المرجّح أنْ تشهد عمليةَ انتقال مُنتظم إلى دولة معتدلة وصديقة".
الدرس السادس: توريط الخليج وانسحاب إسرائيل من الحرب. هناك رغبة معلنة في إقحام الخليج في حرب ضد إيران تدوم لسنوات، ويكفي أن نعود لحروب الخليج المتتالية. وأفادت "القناة 12" الإسرائيلية بأن الأسبوع الثاني من العمليات سيركّز على ما يُعرف بـ"مراكز الثقل"، بما يشمل الصناعات الدفاعية، وسلاح الجو، ومراكز إنتاج الأسلحة في إيران. ولقد شرعت القيادة السياسية في إسرائيل بمناقشة سيناريوهات محتملة للخروج من الحرب، في حال لم تحقق العملية العسكرية أهدافها، وعلى رأسها إسقاط النظام الإيراني، وفق تقرير لقناة "12" الإسرائيلية، بُثَّ يوم الأحد الماضي.
الدرس السابع: إيران لم تصلح خطايا الماضي وترتكب أخطاء جديدة. من الواضح أن الماضي لا يموت في الشرق الأوسط، وأن ماضي إيران يطاردها. ولم تبذل طهران الجهد الكافي لحل خلافاتها مع الدول العربية، ولم تدرك حجم الضرر، وفجوة عدم الثقة بها لدى جيرانها بالخليج.
والآن بنقل معركتها مع إسرائيل لأراضي الخليج، فقد ارتكبت خطيئة إستراتيجية، ووقعت في الفخ الإسرائيلي، واستعدت جوارها، وأيقظت أفظع كوابيسهم. ويرى الكاتب السعودي عبدالرحمن الراشد أن التركيز على البعد الإسرائيلي أو الأمريكي للصراع يتجاهل ما وصفه بـ تهديدات إيرانية استهدفت عددًا من الدول العربية عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة ودعم الميليشيات المسلحة في المنطقة.
وقال الراشد: "من الخليج إلى العراق ولبنان واليمن وسوريا، عاشت دول عربية لعقود تحت تهديد وتخريب مشروع إيراني توسعي استخدم الوكلاء المسلحين والصواريخ كأدوات هيمنة وإرهاب. لذلك لا يمكن اختزال المسألة في صراع إسرائيلي-إيراني، وكأن العرب الضحايا مجرد متفرجين". وأضاف: "الحقيقة إيران هي من هاجمت دولًا عربية وعلى مدى سنين طويلة.. عبر الحوثيين في اليمن ضد السعودية والإمارات.. عبر الميليشيات في العراق.. عبر حزب الله ودمرت لبنان.. عبر شبكات بشار في سوريا".
الدرس الثامن: "بلا أمن ولا حماية".. لهذه الأسباب لن يعود الخليج أبدًا كما كان قبل الحرب. بغضّ النظر عما إذا كانت دول الخليج سترد عسكريًا في الأيام المقبلة، فإن هذه الأحداث سوف تجبرها على إعادة تقييم إستراتيجياتها الأمنية والاقتصادية بطرق قد تكون لها تداعيات طويلة الأمد، حتى بعد انتهاء العمليات الأمريكية في إيران.
وترى أليسون مينور، الباحثة في المجلس الأطلسي، إن الهجمات الإيرانية الحالية على الخليج، إلى جانب احتمال استمرار حالة عدم الاستقرار في إيران، أسفرت عن رفع المخاطر المتصورة بشأن وجود القواعد العسكرية الأمريكية، في وقت بدأت فيه دول الخليج نفسها تتساءل عن جدوى هذه القواعد.
وفي ظل هذا التغير في تحليل التكاليف والفوائد، يصبح من الضروري أن تشرع الولايات المتحدة في حوار جاد مع جميع شركائها في الخليج بشأن مستقبل علاقاتها العسكرية في المنطقة.
ويبقى أن هذه مجرد هوامش سريعة، وتحمل دروسًا مريرة تستدعي "رؤوسًا باردة" لا حناجر ملتهبة، ولا غطرسة في النظرة، وتكاتفًا في مواجهة الانهيارات والكوارث، وإدراكًا بأن الجيران هنا منذ آلاف السنين، وأن إسرائيل الكبرى هي التهديد الأخطر، وأن على إيران أن تتوقف عن استخدام الخليج "ساحة لتصفية الحسابات"، وأن تتحمل وحدها نتيجة خياراتها.
ولعل الجملة الأخيرة بصدق هي أن الضعف يغري بالعدوان، ولا أحد يخوض حروب الآخرين، وأنه لا شيء يعادل الوطن الآمن المستقر، وأن الأمن لا يوفره الآخرون، وأن الأمن العربي مترابط، ولا مفر من نظام أمني عربي مشترك. وهذا النظام لابد أن يكون مؤسسيًا، ويستهدف القوة بمفهومها الشامل. حان وقت الانتباه والعمل، وإلا لن ينفع الندم أو تجرع مرارة "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض".