أحب عصام عمر بشدة. هكذا أقولها قاطعةً من أول جملة. أراه إنسانًا طبيعيًا وفنانًا حقيقيًا. يمكنك هنا أن تبدل الصفتين بين الموصوفين وسوف يستوي الأمر أيضًا.
لا أعرف الفنان عصام عمر شخصيًا. كان بيننا فقط منذ فترة بضع رسائل واتساب ودودة متبادلة، للترتيب لإجراء حوار صحفي لكنه لم يتم. ظروف العمل المتواصل لعصام أجلت اللقاء والحوار أكثر من مرة. لا بأس. موافق. العمل أهم من الحوارات بالفعل. والانشغال بالفن أفضل من الإعلام والسوشيال ميديا.
لكن دليلي على أنه إنسان وفنان حقيقي وطبيعي هو ما كتبه على صفحته في فيسبوك بعد انتهاء عرض مسلسله الرمضاني المهم «عين سحرية» وقبله مباشرة مسلسل «بطل العالم» الناجح. كتب عصام عمر قائلًا إنه يحب من أحبوا العملين ويحب من لم يحبوهما.. «وأوعدكم إن شاء الله المرة الجاية هبقى أحسن».
تحدث عصام بهذه النبرة، عن مسلسلين لاقيا نجاحًا جماهيريًّا كبيرًا، بينما يتصارع نجوم آخرون في العلن على ألقاب «الأكثر مشاهدة.. الأفضل.. الأول»، وهو ما لا أفهمه أبدًا. لا أفهم أن يقول إنسان عن نفسه إنه الأفضل. هل يكون عندئذ إنسانًا أو فنانًا طبيعيًا حقيقيًا أم زائفًا مدعيًا؟! لا أعرف. فلنترك الحكم للجمهور. لكن ما أعرفه هو أن عصام عمر شيء آخر تمامًا؛ شيء ناصع.
أحبه الناس عندما لمع بشدة في المسلسل الكوميدي «بالطو» الذي كان أول عمل من بطولته. وبعدها توالت الأعمال الناجحة. وقبلها؛ قبلها بكثير، كان لعصام مشوار طويل، بدأه منذ أن رحل من الإسكندرية؛ مدينته، حاملًا حلمه على ظهره، موليًا وجهه شطر القاهرة، لكنه عجز لفترة عن الحصول على دور ولو صغير، حتى فكَّر في الهجرة. سافر إلى أمريكا، لكنه قرر أخيرًا العودة منها. كيف؟! ولماذا؟! أجاب هو بنفسه. قال إنه أراد أن يشعر بطعم النجاح، وهذا لا يتحقق إلا وسط أهله وناسه؛ أي نحن!
جذب عصام عمر المصريين بملامح وجهه التي تشبههم، بابتسامته الودودة الطيبة، بدموعه الصادقة في الأدوار التي لعبها، بتواضعه وبساطته حتى بعد أن عرف طريق الشهرة العريضة. جذبهم أيضًا باختياراته للشخصيات التي يؤديها. وتلك هي المسألة!
المسألة أن النجم الشاب لعب في أعماله على وتر الشخصيات المصرية البسيطة المهمشة. راهن عليها وقدمها بإخلاص. وبدا للمتابعين أن نموذج النجم الكبير عادل إمام يشغل حيزًا كبيرًا في فكره. وسوف أوضح تفاصيل هذا. لكن المهم الآن أن تتوقف المقارنات بين الزعيم والنجم الكبير الجديد - وإن تشابهت ملامح المسارات - حتى يستمر عصام في طريق حلمه، بإبداع وحرية، دون تحميله - في هذه المرحلة - بما يُثقل عاتقه.
هذا هو عصام عمر في نظري. أرجو أن تكون الصورة قد اتضحت. وبسببه وبسبب أمثاله القليلين في مجالات أخرى كثيرة أتساءل دائمًا: ولماذا لا يكون لدينا مئة نجيب محفوظ وعادل إمام؟! نحن نستحق.
لكن - وآه من لكن - عندي كلام في محبة عصام. ونحن عندما نحب أحدًا بقلوبنا، ونلمس أحلامه بعقولنا، تختلف عندئذ تقييماتنا، إذ نقيسه على المثال، ولا نقول: هو في كل الأحوال أفضل كثيرًا من غيره. لا لن نفعل. لن نقارنه بالسطحي أو العادي فنكتفي، إنما نغوص معه - لأجلنا ولأجله - في عمق التفاصيل!
أحببتُ مسلسل «عين سحرية» وتابعتُه حلقةً بحلقة. استمتعتُ بمباراة التمثيل الخرافية التي جمعت باسم سمرة ومحمد علاء بعصام عمر، وبإخراج فنان مجنون «معجون بالفن»، اسمه السدير مسعود، المخرج السوري الكبير، على وقع موسيقى خالد الكمار التي منحت العمل أعماقًا إضافية.
لكن - بصراحة - لم يغفل عقلي فجوات السيناريو. ليس هذا ما أنتظره من عمل يحمل اسم عصام عمر الذي لمستُ حلمه، ولذلك أقيسه على المثال، وليس الرائج الشائع المنتشر، مما يقدمه غيره.
توقفتْ كتاباتٌ كثيرة عند نقاط مهمة، مثل شخصية الطبيبة البيطرية التي لم يقدم العمل أصلها وفصلها، ولم نشاهد شخصًا واحدًا يدخل متجرها لشراء الحيوانات الأليفة التي تبيعها، ولم نفهم سر تعلقها السريع بالبطل بمجرد تعرفها عليه، برغم أنها لا تعرف شيئًا عنه وتبدو من طبقة اجتماعية أعلى. وكذلك صديقه الذي لم نعرف عنه سوى أنه صديق البطل «السنِّيد» الذي يبالغ كثيرًا في الكوميديا في مواقف صعبة بما لا يمكن تقبله دراميًّا.
لم نفهم كذلك علاقة المحامي «زكي غانم»، باسم سمرة، بشخصية المرأة قاتلة زوجها الخائن، الفنانة فيدرا، في أول ظهور له في العمل. أكان يساعدها على القتل؟! أيكون بذلك طيبًا ساعيًا إلى تطبيق العدل؟! وكيف وصل إلى مبلغ «الـ12 مليون جنيه» التي ضاعت من البطل؟!
والسؤال الأهم - الذي دفعني إلى كتابة هذه السطور - هو: لماذا قرر العمل مكافأة البطل «عادل» في النهاية بالعثور على المبلغ؟! أيكون هذا دعمًا لفكرة «الحل الفردي» لمشاكل المجتمع ومواجهة الفساد فيه عبر ابتزاز الفاسدين بالتجسس عليهم بكاميرات المراقبة «الأعين السحرية»، وهي الفكرة التي ناقشها المسلسل؟!
ناقش عصام عمر هذه الفكرة من قبل بوسائل أخرى. استلهمها من الفنان الكبير عادل إمام في فيلم «الغول» الذي يحب «حسن» بطل فيلم «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» مشاهدته في عيد ميلاده، وبنى عليها الجديد، عندما قرر البطل الانتقام من البلطجي «كارم» الذي يقهره ويهينه، فيشتبك «حسن» معه في مشاجرة ويحرق سيارته، لكنه لا يصل إلى قتله مثلما قتل «عادل عيسى» المليونير «فهمي الكاشف» في فيلم «الغول»، إنما استجاب لنصيحة أحد كبار المنطقة عندما قال له: «كفاية لحد كده».
ومثلما قام «عادل» - وهو نفس اسم بطل «الغول» - بالاستجابة للمحامي في مسلسل «عين سحرية» في خطة ابتزاز الكبار بفضحهم بالكاميرات ثم الإبلاغ عنهم، فإن «حسن بهلول» بطل فيلم «اللعب مع الكبار»، الفنان عادل إمام، كان قد انخرط أيضًا مع صديقه «علي الزهار»، الفنان محمود الجندي، في التجسس على الكبار، بوسائل العصر آنذاك، بالاستماع إلى مكالماتهم إذ يعمل الأخير موظفًا في «السنترال»، بهدف الإيقاع بهم وتحقيق العدل.
لكنني في «عين سحرية» لم أفهم في النهاية بشكل واضح مسار الفكرة. فقد اعترف المحامي للبطل بأن خطته في الأساس كانت بهدف الانتقام ممن أضاع مستقبله بفساده، وليس دفاعًا عن العدالة وإعادة حقوق «السكان الأصليين» كالهنود الحمر كما سبق أن قال له، إلا أن «عادل» الواقف في مشهد النهاية عند قبري والديه وذراعاه فوقهما على شكل تمثال المرأة الممثلة للعدالة يقرر الانحياز إلى مسار مواصلة البحث عن العدل في الأرض.
لكن يبقى السؤال غير واضح الإجابة في المسلسل: العدل بأي طريق؟! بنفس طرق الحلول الفردية؟! بالتجسس والابتزاز والفضح والمطالبة بالمال قبل الإبلاغ عن الفاسدين أم باللجوء إلى القضاء وإن طال طريق العدالة وبعدت الشُّقة؟! وإن كانت الإجابة هي الأخيرة؛ عبر القضاء، فمتى حدث هذا التحول في فكر «عادل» وكيف؟! لم يخبرنا المسلسل، لا سيما أنه خرج فائزًا بأموال الابتزاز ولم يخسر أي شيء. لم تتم إدانته دراميًّا بأي شكل!
المسلسل في ثناياه يحمل أيضًا أفكارًا كبرى، كضعف الإنسان؛ «زكي/ باسم سمرة» في مواجهة الشيطان الذي عبَّر عنه الفاسد «شهاب/ محمد علاء»، الذي يشير اسمه إلى «كتلة من نار!»، وإمكانية المواجهة بعقل وتأنٍّ وخطة كما فعل «عادل/ عصام عمر» عبر تصوير الفاسد خلسة في جلسة الاعتراف بخطاياه بعد الحصول على إذن من النيابة لتقديمه إلى القضاء، وفضحه أيضًا أمام محكمة العصر؛ السوشيال ميديا.
لمسنا هذه الأفكار، واستمتعنا بها، لكن التعبير عنها كأنه جاء متسرعًا، غير محبوكٍ بلغة درامية دقيقة؛ لغة لا ننتظر أو نتوقع غيرها من فنان نراهن عليه، ونحلم معه.
أخيرًا.. عصام عمر فنان كبير، مهم، سيكون له شأن أكبر، وأمامه مستقبل، فهو لا يقدم شيئًا كيفما اتفق، إنما لديه خطة وأفكار ومسار، لديه حلم، لكنه ما زال يحتاج إلى دقة أكبر، عبر كتابة أعمق، و«ورق» يظهر أمام المُشاهد المحب كشغل نسيج يدوي مغزول على «النول»، أو كقطعة «أرابيسك» دقيقة التفاصيل. نعلم أن هذا سيحدث. وسوف نظل في الانتظار.